• ×

05:16 مساءً , الأحد 15 ديسمبر 2019

الشيخ عبدالوهاب الغريري

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image

بقلم الأستاذ سلمان الحجي

الشيخ عبد الوهاب بن سعود الغريري(1318-1418هـ)، شخصية حافلة بالدروس والعبر،ت راكمت لديه معلومات وخبرات جمة من معايشته لواقع ازدهار المرجعية الدينية المحلية، فقد عاصر الحكمة السياسية لدى أستاذه الشيخ موسى آل أبي خمسين في عهد نشأة الدولة السعودية، وشاهد الحراك الديني والأدبي للسيد ناصر بن السيد هاشم السلمان، وعاين الزاد الديني للشيخ عمران السليم، وارتوى من الغذاء الفكري للشيخ حبيب القرين في تصديه لمسؤولياته الدينية والاجتماعية.إضافة لدراسته لدى الميرزا علي الإسكوئي،وعمق ارتباطه بالشيخ محمد الهاجري،والأديب الشيخ عبد الكريم الممتن،وتحصليه لدى الشيخ سلمان الغريري،والشيخ محمد البقشي،والشيخ أحمد البوعلي،والشيخ حسين الشواف،وتواصله مع ممثلي الاتجاهات الفكرية بالمنطقة،وأيضاً الحراك الاجتماعي والأيدلوجي والسياسي بدخول الأحساء تحت حكم الملك عبد العزيز وإمارة عبد الله بن جلوي،وانتقال قاعدة الإقليم إلى الدمام،ووجهاء أمثال طاهر بو خمسين،ومحمد العليو،والسيد كاظم الحداد،والملا محمد الفهيد،وعلي الغريب،وحسين العلي،وعبد المحسن المحمد صالح،والسيد جواد العبد المحسن ،ومحمد البحراني،وسلمان الهاجري،وطاهر الغزال،وياسين الغدير،وعبد المحسن العيسى،والسيد عبد الله الهاشم،وعيسى البشر،والسيد محمد السلمان،ووجهاء أسر آل الخرس،وآل البقشي،وآل الرمضان،وآل أبي خمسين،وآل العامر،والبن الشيخ،والصحاف والبحراني والأمير والغزال والعيثان والشخص والحرز والحاجي وغيرهم.عاش الفقيد في جغرافية الواحة بمدنها وقراها بمياهها ونخيلها عاش في كنف الهفوف بسوق قيصرتها وبدكاكين حياكيتها وخياطة بشوتها، عاش في وسط تعددية مذهبية بمدينة توفرت بها أيضا المدارس المذهبية من أهل السنة والجماعة جنبا إلى جنب مع الشيعة.
فإذا ما أضفنا لذلك سجية الشيخ الغريري السلمية التي رصدها القريبون منه والتي بدت وفق منهجية واحدة سواء كان حال الحديث أو الصمت،أمام الجمهور العام أو في جلساته الخاصة،في محضر مخالفيه أو في محضر مريديه.فمشروعه الإيماني جامع لا مفّرّق،موحّد لا ممزّق،مقرب لا مبعّد.هذه السمة التي تقوم على الاندماج والتواصل مع الآخر مع الحفاظ على كامل مرتكزات الهوية،مكنته من احترام اجتماعي عن مختلف المشارب الفكرية بالساحة الأحسائية.ولكنه في الوقت الذي يرفض فيه التحجر والجمود،فإنه لا يدعم أي مشروع يظهر على الساحة إذا كانت آلياته ناقصة بحسب رؤيته وتشخيصه.بل حتى المسائل التي تقع في مورد النزاع إن كانت ستقطف ثمارها وفق مشارب سلمية كان بها،وأما إذا كانت الوصفة الفكرية المقترحة ستّمرض المجتمع على مستوى التفكك والتشنج والقطيعة بين الأرحام، بمعنى أن تكاليفها الدينية من وجهة نظره لا تمثل شيئاً يذكر أمام منافعها فقطعا سيتجاهلها،ولكنه في نفس الوقت لا يشهر سيفه في وجه من يفجر بركانها.لذا كان يمتنع بهدوء عن الإجابة عن بعض التساؤلات الخلافية بما لا يتعارض مع وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،كما إذا سئل سؤالاً لا وزن له،أو أن الإجابة تجيّر لمآرب أخرى ،أو أن كشف القناع عن بطون السؤال لا يضيف للسائل ثقافة يحتاجها،أو أن الخوض في الإجابة على ذلك التساؤل الفضولي والمستهدف،سيحدث شرخا اجتماعيا يبعد المجتمع مسافات عن المبادئ التي تجسد التسامح والألفة والتواد.فكان يرى أن تلك المنطقة حمراء لا يجدي النقاش فيها،بل أكثر من ذلك ومن وجهة نظره،قد تجر معها مشاكل لا حصر لها مع هشاشة اﻷرضية الثقافية في مجتمعه التي لا تصمد مع طموحه على مستوى الحوار الهادف،ومساحة التعبير عن وجهة النظر،وإيضاح الحقائق بشفافية.وهذه السمة أبرزت الشيخ الغريري في ساحته الاجتماعية بمهارة مكنته من التعامل وبفن مع أطياف المجتمع المختلفة،حتى أطلق عليه بعض الأساتذة الأكاديميين بالمصلح الاجتماعي .ففقاهة الشيخ الغريري الاجتماعية برزت على السطح بحجم القرارات الصائبة التي يتخذها،أو يقدمها لمن يستشيره،أو حتى مبادرته بالنصح لمن حوله.فمنها تنبيهه لأحد الفضلاء أثناء إلقاء المحاضرات الفقهية،بأن يطلق بشمولية آراء الأعلام الفقهية بدلاً من حصر القرار الفقهي لفقيه دون غيره،إضافة لاختياره المصطلحات الدبلوماسية عندما يسأل،بما يقرب المجتمع مسافات لبعضه،ويتجنب إثارة ما يمزق اللحمة الاجتماعية،كذلك وفي هذا الشأن برزت بدقة قراءته للقرارات الطارئة،فقد أشار على أحد طلبة العلوم الدينية بأهمية مغادرة البلاد،عندما شخص أن الأجواء الساخنة المحيطة به ستجر الفتن عليه من كل حدب و صوب.
عمل في عنفوان شبابه بمهنة الحياكة بحارة الرفعة الشمالية بمدينة الهفوف،وما إن أكمل الثلاثين من العمر شخّص حاجة مجتمعه للتوجيه والإرشاد الديني،فعزم على التوجه للدراسة الدينية بما لا يعيق عمله المهني الذي يتكسب منه ويؤمّن قوت عياله.فكانت البداية بحوزة المرجع الديني الشيخ موسى آل أبي خمسين،واستمر بعدها ما يزيد عن خمسين سنة يتنقل من حوزة لأخرى،ومن حلقة إلى مثلها،ومن حراك ديني إلى آخر،حتى أخذ ما بوسعه من الغذاء الفكري والمعرفي بحوزة أستاذه الشيخ محمد الهاجري.تميزت شخصيته بالورع والتقوى والزهد في الدنيا والقناعة بما رزقه الله .كما أنه عرف عنه رحمه الله الاحتياط في الدين،ومن ذلك أنه رفض الاستفادة من الحقوق الشرعية للإنفاق الضروري على معيشته بحجة أنه لا يرى نفسه مستحقاً للأخذ من سهم الإمام الحجة بن الحسن عليه السلام،اتهاما منه لها،أو قناعة بما رزقه الله من نعم،على الرغم من مزاحمته العلماء بركبتيه،وانكبابه على متابعة الدروس الحوزوية حتى أواخر حياته.إضافة لتشخيص فضلاء عصره حاجته الماسة للحق الشرعي بحسب المؤشرات الاقتصادية المتاحة لديهم عن وضعه المعيشي،إذ أنه لم يمتلك منزلاً إلا في السنوات الأخيرة من عمره،وذلك بعد الإلحاح الشديد عليه من قبل ثلة من المؤمنين،وتصديهم لبعض تكاليف شرائه،تقديرا منهم لظرفه،ومحبة لشخصه.
كما أن من ملامح شخصيته الصمت متكئا في ذلك على قول الإمام علي بن موسى الرضا(ع)(من علامات الفقه الحلم والعلم والصمت،إن الصمت من أبواب الحكمة،إن الصمت يكسب المحبة،إنه دليل على كل خير).(1) فلم يظهر منه أن يبادر بالحديث أو أن يسهب في النقاش أو أن يتصدر المجلس بالتعليق والتحليل لما يدور حوله،نعم تنفتح شخصيته المرحة والمليئة بالحيوية والنكات أمام الخواص من صحبه، يغذيهم بما يحمله من زاد ديني،ويدخل السرور على قلوبهم بما في جعبته من مواقف طريفة،أو تعليق مباشر لا يخلو من الطرفة على ما يجري حوله من أحداث،على الرغم من أنه واجه عبر مسيرة حياته صعوبات كثيرة،قاوم من أجل إخفائها عن الملأ مع أنها أخذت منه مأخذاً نفسيا كبيراً.
ومن طرائفه: *ينقل السيد طاهر بن السيد هاشم السلمان بأن الشيخ الغريري عندما ينقل الطرفة للآخرين كان يقول لهم أنا عندي رخصة من الشارع المقدس برخصة الإفطار في شهر رمضان بسبب كبر سني.
كذلك في إحدى رحلات الحج كان بصحبة الشيخ صالح السلطان وفي أحد اﻷيام طبخ طباخ الحملة لحماً،فقام الشيخ عبد الوهاب وأكل جزء منه ووضع أثر الدسم من اللحم في يدي الشيخ صالح السلطان ـ والذي كان نائماً ـ وعندما انكشف للطباخ نقص كمية اللحم سأل عمن أكله، فأشار الشيخ عبد الوهاب بيده إلى الشيخ صالح السلطان، فرأى الطباخ أثر الدسم في يد الشيخ صالح .فقال له يا شيخ صالح تأكل اللحم علينا؟، فاستغرب الشيخ صالح من ذلك!!.
* يقال كذلك حضر الشيخ عبد الوهاب الغريري مع الشيخ أحمد الطويل في منزل الحاج حسن العمر،للاستماع للخطيب الحسيني الملا عبد الوهاب الحمد، فطلب الحاج حسن من الشيخ عبد الوهاب الغريري الصمت مقسماً عليه بالسيدة فاطمة الزهراء(ع)،ولما حضر الملا استغرب من وجود الشيخ عبد الوهاب والشيخ أحمد الطويل، فكان يظن أن الحاج حسن العمر، دعاهما على وجبة طعام، خصوصاً أنه لم يسمع في ذلك اليوم صوت الخروف الذي اعتاد على سماع صوته يومياً،وبعد اﻻنتهاء من الخطابة الحسينية،التفت الملا إلى الحاج حسن العمر قائلا تدعو الشيخ عبد الوهاب والشيخ أحمد لتناول وجبة الطعام وتتجاهلني وأنا خطيبك الحسيني؟ فقال الحاج العمر، لم ندعهما على وجبة طعام، وإنما حضرا بالصدفة للاستماع الحسيني : فقال الخطيب الحسيني ولكن اختفى صوت الخروف الذي كنت أسمعه بشكل يومي،فقال الحاج العمر تم نقله للمزرعة،وبإمكانك سؤال الشيخ عبد الوهاب لمعرفة أنني لم أدعهما لتناول وجبة الطعام،فسأل الخطيب الحسيني الشيخ الغريري فقال الشيخ الغريري أنا مقسوم عليّ بالزهراء أن لا أتكلم،فقال الملا تعزمهما، وتقسم عليهما بالسيدة الزهراء أن ﻻ يتكلما؟؟
*كذلك من مواقفه أنه لبس السيد عبد الله الصفوي أول مرة ساعة في يده وتزامن ذلك أن الشيخ عبد الوهاب الغريري في نفس اليوم لبس بشتاً أبيضاً للمرة الأولى فقال الشيخ الغريري للسيد عبد الله أنت خطيب حسيني ومن ذرية رسول الله (ص)وتلبس ساعة في يدك،فقال له السيد وأنت يا شيخ عبد الوهاب طالب علم وتلبس بشتة بيضة بلهجته الخاصة.
*كذلك من طرائفه كان بمنزل الحاج علي الغريب مع مجموعة من طلبة العلوم الدينية،فقال أحدهم نحن نريد أن نزور الشيخ عبد الوهاب في منزله،فأراد أن يمازحهم،وأشار إلى أنه مشغول بابنته التي ستموت،وبعد يوم سألوه عن حال ابنته المريضة فأجابهم لن يبقى أحد كلنا سنموت فضحكوا جميعا.
*كذلك من ذلك ما نقله الشيخ محمد الشهاب أن الشيخ عبد الوهاب في مجلس الشيخ الهاجري كان يذكر للشيخ الشهاب فوائد البصل وأنه مفيد لمرض السكر،فقال الشيخ الهاجري البصل البصل،ما عليك منه،فقال الشيخ عبد الوهاب هذا ليس شغلك أنت متخصص فقط في الفقه والأصول ثم التفت للشيخ الشهاب قائلاً له عليك بالعسل،فقال الشيخ الهاجري صحيح فقد أشار القرآن إلى ذلك،في اليوم الثاني أثناء إيقاع الطلاق لدى الشيخ الهاجري تلفظ بصعوبة فالتفت إلى الشيخ عبد الوهاب قائلا الله يهديك هذا تأثير البصل الذي أكثرت من مدحه فاستجبنا لنصحك فأكلناه.
*ينقل الشيخ عبد المحسن الهودار،في إحدى السنوات التي تصدى لها الشيخ الغريري لإثبات هلال عيد الفطر المبارك،وكان ذلك في سفر الشيخ الهاجري،فلما رجع الشيخ الهاجري قال للشيخ الغريري كيف أثبتم العيد،فالأجواء مغيمة عندكم،فأجابه الشيخ الغريري أكلنا العوى على طريقة الشرع.
* نقل سليم بو خمسين وقال،سافر الشيخ الهاجري برفقة الشيخ الغريري إلى القطيف وعند الرجوع طلب علماء القطيف بقاء الشيخ الهاجري لتناول وجبة الغداء فرفض الشيخ الهاجري ذلك،فكان هناك إصرار من علماء القطيف لطلب موافقة الشيخ الهاجري والشيخ يرفض ويعتذر بكثرة الأشغال فالتفت الشيخ الهاجري للشيخ الغريري فقال له:أليس عندنا أشغال كثيرة يا شيخ عبد الوهاب فقال الشيخ الغريري لعلماء القطيف:دعوه إني أرفض ما يقول،وليس عندنا شغل،فقال له الشيخ الهاجري:كيف تقول هذا؟فقال الشيخ الغريري:شغلك هو الذي سيهلكنا جوعا.
*كذلك ما نقله تلميذه الشيخ عبد المحسن الهودار كان الشيخ الهاجري إذا أراد إجراء إيقاع الطلاق،كان يبحث عن الشيخ عبد الوهاب الغريري،فإذا طلق المرة الأولى يلتفت للشيخ عبد الوهاب فيقول له:هل وقع الطلاق يا شيخ فيقول له:أعد وهكذا يعيد الشيخ الهاجري ثلاث أو أربع مرات،وفي كل مرة يقول له الشيخ عبد الوهاب أعد،فيتضائق الشيخ الهاجري من ذلك.وأحيانا الشيخ عبد الوهاب يقول له لقد وقع الطلاق من المرة الأولى ولكني أريد أن أرهقك.ويعلق كذلك السيد عبد الأمير السلمان أن الشيخ الغريري أثناء تلفظ الشيخ الهاجري بعبارة طالق كان يتداخل بقول هي غير طالق.
كذلك كان الشيخ عبد الوهاب الغريري في مجلس البوخضر بحضور الشيخ حبيب البوخضر،فقدم لهما التمر فبدأ الشيخ الغريري بأكل التمر ويضع النوى بالقرب من الشيخ حبيب البوخضر،ثم التفت الشيخ الغريري للشيخ حبيب،قائلاً له أنت أكول للتمر،فقال الشيخ البوخضر إنما الأكول هو الذي يأكل التمر مع النوى ،وهو نفس الموقف الذي ذكر على ألسنة الخطباء الحسينيين بين النبي محمد(ص)وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) .
* كذلك أثناء حضوره لمأتم السيد عبد الله الشخص في مجلس الشبان بحارة الرفعة الشمالية،قال الشيخ الغريري للسيد قراءتك الحسينية قصيرة،فقال له السيد أنا أبيع لحم غنم ما أبيع لحم كروش،فقال له الشيخ عبد الوهاب حتى لو تبيع لحم غنم اجعل الوزن وزن كروش.
*كذلك نقل الحاج ناصر بو عيسى كان الشيخ الهاجري يشيد بمستوى الشيخ الغريري في اللغة العربية، فكان يقول له الشيخ الهاجري أنت أبي فيقول له الشيخ عبد الوهاب أنا أبوك في العمر ولكني لست أباك في العلم.
*كذلك نقل الحاج مصطفى بن عبد المحسن الحويكم أن والده جهز وليمة للشيخين الهاجري والغريري،فمررت على الشيخ الغريري وجئت به منتظرا خروج الشيخ الهاجري من المسجد الجامع ببلدة المنصورة الذي أقام فيه صلاة الجماعة الشيخ الهاجري،فطلب منه الدخول للمسجد،فقال الشيخ الغريري لا يجتمع عالمان تحت سقف واحد في المسجد،لذا سوف أبقى في السيارة لحين خروجه.
*كان الشيخ عبد الوهاب يخاطب الشيخ محمد الهاجري يا أبي وفي ذات يوم قال له،كما هي عادته:يا أبي فأجابه آية الله الشيخ الهاجري قائلاً:بل أنا ابنك وأنت أبي فإنك طالما سميت الشيخ كاظم المطر والشيخ أحمد الطويل والشيخ حسين الشواف رحمهم الله جميعاً آباء لك فماتوا كلهم قبلك فهل تريد أن تلحقني بهم؟
كذلك كان سماحة الشيخين الهاجري والغريري في أحد بيوت البوخضر،فقدم لهما صاحب البيت بطيخة وكانت مرة جداً،فأكل الشيخ الهاجري شيئاً منها فلم يحبذ طعمها،وأراد أن يمازح الشيخ الغريري فأعطاه شيئاً منها فلما أكل الشيخ عبد الوهاب وتذوق المرارة وضع البطيخة في الصحن،والتفت إلى الشيخ الهاجري قائلاً له هكذا بر الأب بابنه؟ فضحكوا جميعاً.
كذلك نقل الشيخ محمد الشهاب:أن الشيخ الهاجري،قال للشيخ عبد الوهاب الغريري عندنا لك زوجة ليس عندها إلا ابن واحد فقال الشيخ محمد الشهاب كم عمره فقال :ستون،وفي اليوم الثاني سألته:هل وافق الشيخ على الزواج من أم المحروس،فضحك الشيخ الهاجري بقوة.
كذلك ما نقله الشيخ عبد العزيز القضيب،كان الشيخ الهاجري يمازح الشيخ عبد الوهاب فيقول له:أهنيك يا شيخنا القدسيا بزوجة منها الخد ملويا،فقال الشيخ الغريري هذه لا أريدها هذه عجوز فأكمل الشيخ الهاجري قائلاً أهنيك يا شيخنا الجليل بزوجة في مشيها تميل
فقال الشيخ الغريري هذه أريدها أنها شابة.
*كذلك ينقل الحاج محمد المطر أنه في إحدى السنوات كنا مع حملة حسين الخرس بوجود الشيخ محمد الهاجري والشيخ عبد الوهاب الغريري والشيخ أحمد الوايل،وكانت في الحملة امرأة مطلقة،فقال الشيخ الهاجري للزائرين،نريد منكم غدا تباركون للشيخ الغريري زواجه،فلما صلينا الفجر تقدم الشيخ الهاجري ليبارك للشيخ الغريري وبعده الشيخ أحمد الوايل ثم بدأ الواحد منا تلو الآخر ليبارك لها،ثم فقال له الشيخ الهاجري لكن لا يوصل الخبر لأم حجي حتى لا تتصرف بشيء يزعجك فضحكنا جميعا.
كما أن من السمات العامة في شخصيته أنه يحيل السائل إذا ما احتاج الأمر للتوضيح في المسائل الفقهية والعقدية إلى أستاذه الشيخ محمد الهاجري.
وقد أشار بعض تلاميذ الشيخ الهاجري لتفصيل تلك العلاقة الحميمة كما سنذكر لاحقا وأرجعوا أسباب المحبة التي ينالها الشيخ الغريري لدى أستاذه الشيخ محمد الهاجري إلى ما يلي:
1-المهارة الاجتماعية التي يتمتع بها الشيخ الغريري من قدرة واسعة في قراءة الواقع الاجتماعي،مما جعلت الشيخ الهاجري يرجع له في ذلك الجانب،أو على أقل تقدير يتأثر بتشخيصه ويستفيد من تحليله.يقول الشيخ عبد العليم العطية في هذا الشأن لا يجرؤ على الشيخ الهاجري أحد مثل الشيخ عبد الوهاب،ولا يتقبل أمرا من أحد إلا من الشيخ عبد الوهاب.
1- السمو الأخلاقي لدى الشيخ الغريري من التواضع والزهد والتقوى والحلم،وكان يقبل رأس أستاذه الشيخ الهاجري.
2- المكانة التي يحظى بها الشيخ الغريري لدى الرموز الدينية بالمنطقة،وأتذكر من المواقف التي تعضد هذا الرأي حضور الشيخ عبد الوهاب في مسجد الشيخ الهاجري لاستماع شهادة الشهود ،فالشيخ الهاجري بعدما اطمأن لشهود هلال عيد الفطر المبارك،أرسل وفدا إلى الشيخ حسين الخليفة يخبره بقراره في إعلان عيد الفطر،وأخبرهم بأن يبلغوا الشيخ الخليفة،بأن الشيخ الغريري متواجداً بمجلسنا إشارة منه للقرب الذي يحتله الشيخ الغريري لدى العلامة الشيخ حسين الخليفة.
3-التقارب القلبي:فقد كان الشيخ الغريري يعشق مجلس الشيخ الهاجري ،ويتردد عليه بشكل يومي أيام الدرس،وحتى أيام العطل وفي المناسبات،بل حتى في آخر أيام حياته طلب من يبلغ سلامه لأستاذه الشيخ الهاجري،إضافة إلى أنه يرى نفسه تلميذاً لأستاذه فكان يرشد المؤمنين إليه في مسائلهم،وانعكس هذا التقارب القلبي على التعامل بينهما بشفافية وارتياح،وتدخل الشيخ الغريري في تقييم المواقف الاجتماعية لأستاذه والتعبير عن وجهة نظره على نحو النصح،كما أتاحت تلك العلاقة في إثارة المواقف الطريفة من أحدهما للآخر.
فملخص تلك العلاقة تشير إلى أن الشيخ الغريري كان يعرف مستوى أستاذه بأنه الأبرز في الساحة الأحسائية على المستوى الفقهي،ولم تثنى الوسادة بالمنطقة بمثل ما ثنيت له ،وأن مقامه مقام المرجعية والتقليد،ولذا يعتبر تشخيصه الفقهي حجة،خصوصاً أنه يراه الأقوى في كشف قناع المسائل الفقهية في الرسائل العملية للمرجعيات العليا،لذا كان يوجه المؤمنين بالرجوع إليه.
كما أن مستوى الأخوة بين الشيخين تجعل كلاهما يتحدث عن همومه للآخر.والمتابع لحياة الشيخ الغريري في السنوات الأخيرة يكشف خبايا تلك العلاقة ومنها:
-إشراف الشيخ الهاجري على علاج الشيخ الغريري.
-استناد الشيخ الهاجري على الشيخ الغريري لتأكيد الملفات التاريخية.
-تألم الشيخ الغريري مما واجهه أستاذه من إهانات من هنا وهناك.
-جعل الشيخ الهاجري الوصي لتنفيذ وصيته.
-تصدر الشيخ الهاجري لمجلس عزاء الشيخ الغريري.
-تألم الشيخ الهاجري لفقد الشيخ الغريري.
كما أن من نشاطه الديني إقامة صلاة الجماعة،بالمسجد الجامع في حارته بالرفعة الشمالية بمدينة الهفوف والمعروف حالياً بمسجد الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف،وكانت البداية بتوجيه وعناية من الشيخ حبيب القرين(2)،وقيل الميرزا علي الإسكوئي(3).واستمر ينشر الأحكام الدينية عبر المحراب بين أبناء المجتمع لمدة تزيد عن خمس وأربعين عاماً،وينور دربهم بما في جعبته من خبرات متنوعة.كما أنه حج واعتمر لبيت الله الحرام مرشداً ما يزيد عن سبع سنوات.
ونحن إذ نجدد الكتابة عن هذه الشخصية الإيمانية،للحاجة الماسة لكتابة سير الأعيان الأحساء،وتلبية لطلب بعض أقاربه ومحبيه نظراً إلى أن ما كتب عنه في الكتاب السابق والذي حمل اسم قبسات من حياة الشيخ عبد الوهاب الغريري والذي جمعناه وأعده الملا علي العساكر،لم يتناول كافة المفاصل الهامة في حياة المترجم له خصوصاً أننا بحاجة إليها في مجتمعنا بهدف استلهام العبر والدروس من شخصه،والتي تتوافق قوالبها مع سيرة العظماء الصالحين بما تعطيه لمرحلة حاسمة خلال قرن من الزمن.
ومع قلة المصادر الأحسائية التي غاصت في الكتابة عن حياة رجالها وشخصياتها العلمية ومنهم الغريري،ولكونه لم يرصد له كتابات علمية سابقة تتيح الفرصة للمثقفين والباحثين تحليل شخصيته.لذا اعتمدنا على جمع المعلومات من خلال المقابلات مع معاصريه،ومعرفتي الشخصية به.
توفي الشيخ الغريري في ثاني أيام عيد الفطر المبارك يوم الجمعة الموافق 2/10/1418هـ،وحضرت الوفود لتشارك في تشيعيه والصلاة عليه ودفن في مقبرة الهفوف.قد صلى عليه صلاة الميت كل من الشيخ محمد الهاجري،والشيخ يوسف الشقاق،الشيخ محمد الشهاب،الشيخ محمد الشريدة،
وقد قيلت هذه الأبيات عن لسان آية الله الشيخ محمد الهاجري للشاعر الأديب الشيخ حسين الشرجي


جور الزمان وفرقة iiالأحباب جعلا فؤادي في شقا وعذاب
أبكي لخل ودع الدنيا iiوقد كان النديم بمجلسي iiوكتابي
إن عدت العباد يوماً iiبعده قلنا فهذا عبد iiللوهاب
ولقد بكيت لفقده iiوفراقه عجبا لبدر سمائنا iiبتراب
أبكي ودمعي بالخدود مسجلاً غدر الزمان بصفوة الأصحاب
ترك الحياة فقلت فيه iiمؤرخاً يحل الخليل بجيرة iiالأطياب

تم كتابتها على قبره الشريف
تطرقنا في كتاباتنا عن شخصية الشيخ الغريري لجوانب مضيئة من سيرته رحمه الله،فقد ترك هذه الدنيا وخلف بألسنة المؤمنين الذكر الطيب،والسلوك الجميل،والخلق الرفيع،والفن الاجتماعي،وحكمة التعامل،والحرص على تقريب الهوة بين المختلفين في الرأي، والمبادرة باصلاح ذات البين،وبذل الجهد لخدمة أفراد البشرية،والتواصل مع الجميع.رحل عنا وخلف لنا المنهجية السليمة التي ينبغي أن يتلبسها الفرد المؤمن في تعامله مع المؤمنين،كما هي في حرصه على تبليغ الأحكام.رحل الشيخ الغريري ولكن أسلوبه الحكيم في التعامل خلد ذكره.
فكان رحمه الله يقرأ لهذا الحصيلة العلمية،ولذاك الحنكة السياسية،ولثالث الفن الاجتماعي،ولرابع الهيمنة الإدارية،ولخامس الملكة الإيمانية،وينطلق مع كل واحد منهم وفق شفراته الإيجابية.فنظرية التواصل مع الآخر لا يعني أنك تذوب في فكره،أو أنك تضيف له شرعية لا يستحقها،أو أنك ستصبح تابعاً له في فكره،وإنما نظرية التواصل تجسد الأخوة الحقة،وتأصل الألفة بين المؤمنين،كما أنها ليست سهلة التنفيذ ،بالنظر لاختلاف طبائع الناس ومداركهم وقناعتهم،ومستواهم الفكري،كما أنها تحتاج إلى فن ومرونة وصبر وملكة أخلاقية تجعلك تنطلق وفق المشروع الإيماني الصرف لله وفي الله.فسياسة الشيخ الغريري في سلوكه العام مع أفراد البشرية مصداقاً للحديث الشريف الذي مؤداه (كونوا لنا دعاة لنا بغير ألسنتكم)،فما يهمنا أن نتمعن في هذا الحديث لنجسد القيم والمبادئ الراقية من الصدق والأمانة وحسن الخلق والإيثار والصبر وغير ذلك وبالأخص لأطبة القلوب.كما أن من أمنياتنا أن نستثمر منهج النصح المتجسد في شخصية الشيخ الغريري،فنحن بحاجة فيمن يكملنا،فيمن يرشدنا للطريق السليم،فيمن يصحح لنا أخطاءنا،فيمن ينور طريقنا بالحكمة والموعظة الحسنة.
فالكاتب يحتاج من يصحح له كتاباته،والخطيب الحسيني يحتاج من يوجهه،وطالب العلم الديني يحتاج من ينبهه،وذلك الفاسق يحتاج من يرشده،وهكذا حتى يصلح المجتمع ونسهم في تنميته لنفوز بالدنيا والآخرة.
كانت طموحاتنا أن حصل من كان يوجه الشيخ الغريري لإكمال الدراسة الدينية بالنجف الأشرف،وأن تستثمر تلك الطاقة السلمية في تطور المجتمع وفق آلية جماعية.وأرجو أن لا يفهم من تأكيدنا على المشروع السلمي للشيخ الغريري أننا ننتقد كافة المشاريع التي تبناها أصحابها وفق منهجية مخالفة لطموحاتنا،فهم أعلم بتكليفهم الشرعي،نرجو من الجميع براءة ذمتنا من الأخطاء وأرجو المعذرة من التقصير
وندعو الله أن يجمعنا معه في مستقر رحمته،وحشره الله مع محمد وآله الطيبين الطاهرين وأصحابه المنتجبين.

 0  0  1313