• ×

04:15 صباحًا , الإثنين 25 أكتوبر 2021

الدكتور السيد علي الحاجي

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image

الدكتور السيد علي بن السيد عبد الله الحاجي،من مواليد الأحساء 1/7/1369هـ

ابتدأ الدراسة عند سن الخامسة في مدينة المبرز بالأحساء، حيث التحق بدراسة وقراءة القرآن الكريم على يد المرحوم السيد ياسين الموسوي وهو أشهر أستاذ لتعليم القرآن الكريم والقراءة والكتابة في الأحساء آنذاك. وبعد ختم القرآن الكريم التحق بمدرسة الفتح الابتدائية في الهفوف وكان ذلك في سنة 1377هـ/1957م. وبعد إكمال دراسته الابتدائية والمتوسطة والثانوية التحق في سنة 1388/1389هـ بجامعة الرياض آنذاك ـ جامعة الملك سعود حالياً ـ حيث التحق بكلية التربية، وكان في الدفعة الثالثة من طلابها. وحصل على درجة البكالوريوس في التربية والآداب من هذه الكلية في العام الجامعي 1393/1394هـ. وفي ذات السنة عيّن معلماً لمدة سنتين بمعهد المعلمين بالدمام. وفي سنة 1395/1396هـ عين معيداً بكلية التربية ذاته. وفي سنة 1396هـ/1977م ابتعث إلى الولايات المتحدة الأمريكية للحصول على درجتي الماجستير والدكتوراه في مجال التربية ـ تخصص تعليم ثانوي. والتحق هناك بجامعة ولاية ميتشجن Michigan State University إذ حصل من هذه الجامعة على درجة الماجستير في الآداب والتربية في العام الجامعي 1979/1980م. وفي هذه السنة حصل من نفس الجامعة على قبول لدراسة الدكتوراه حيث ابتدأ دراسته الفعلية في العام الجامعي 1980/1981م. وقد تمكن بفضل الله تعلى من إكمال هذا البرنامج في سنة 1987م الموافق 1407هـ. وكان موضوع رسالة الدكتوراه هو: البيئة التنظيمية للمدارس الثانوية الشاملة بالمملكة العربية السعودية (the organizational climate of the Comprehensive Secondary Schools of Saudi Arabia).
بعد العودة إلى الوطن من الولايات المتحدة الأمريكية عين في سنة 1988م عضو هيئة تدريس بكلية التربية وبقسم التربية من جامعة الملك سعود. ومنذ ذلك التاريخ وهو يعمل بهذا القسم محاضراً على مستوى البكالوريوس والماجستير و الدكتوراه. ويقوم حالياً بتدريس العديد من المقررات الدراسية، منها على سبيل المثال: الأصول الفلسفية للتربية (ماجستير)،الأصول الفلسفية والاجتماعية للتربية (ماجستير)،الأصول التاريخية للتربية (ماجستير)،الأصول الاقتصادية للتربية (ماجستير)،آنثروبولوجيا التعليم (ماجستير)،قضايا تربوية معاصرة (دكتوراه)،التعليم الأساسي (دكتوراه)،اتجاهات تربوية معاصرة (ماجستير)،التعليم الثانوي (دورات تدريبية)،اشترك في العديد من اللجان على مستوى الجامعة وعلى مستوى الكلية فعلى مستوى الجامعة في اللجان التالية: عضوية اللجنة الفنية التابعة للجنة العامة لمراجعة العملية الأكاديمية بجامعة الملك سعود في الفترة من 1411هـ إلى 1416هـ،عضوية اللجنة الاستشارية الدائمة للتطوير الجامعي بجامعة الملك سعود في الفترة من 1414هـ إلى 1417هـ،وعلى مستوى الكلية اشترك في اللجنة التالية ولا يزال يعمل في معظمها لجنة الدراسات العليا بقسم التربية (حالياً يعمل مقرر لها)،لجنة احتياجات القسم من القوى البشرية،لجنة الندوات والمؤتمرات بقسم التربية،لجنة النشر والترجمة بقسم التربية،لجنة الشؤون الطلابية والمعادلات بقسم التربية،شارك في معظم الندوات والمؤتمرات التي تنفذها الجامعة وكلية التربية بالذات، والتي منها: اشترك كمقرر للجنة التحضيرية لندوة "نحو استراتيجية مستقبلية لإعداد المعلمين والمعلمات في المملكة العربية السعودية" والتي نظمتها كلية التربية بجامعة الملك سعود في الفترة من 14-16/6/1413هـ، الموافق 8-10/11/1992م،مثّل المملكة في الندوة التي نفذتها المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم في الرباط في العام 1996م حول التعليم الثانوي في العالم العربي، وكان مقرراً لهذه الندوة،مثّل المملكة في الندوة التي نفذتها المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم في القاهرة في العام 1998م حول برامج إعداد معلمي المرحلة الثانوية في العالم العربي. وفي هذه الندوة شارك ببحث عن برامج إعداد معلمي التعليم الثانوي في المملكة العربية السعودية،المشاركة في اللقاءات السنوية التي تقيمها الجمعية السعودية للعوم التربوية والنفسية (جستن) منذ تأسيسها في سنة 1408هـ وحتى الآن،المشاركة في "ندوة التعليم الالكتروني" والتي نظمتها مدارس الملك فيصل الأهلية بالرياض في الفترة من 29-20/1424هـ، الموافق 20-21/2003م،المشاركة في ((ندوة العولمة وأولويات التربية))التي نظمتها كلية التربية بجامعة الملك سعود في الفترة من 1-2/3/1425هـ، الموافق 20-21/4/2004م. وكان في هذه الندوة أحد أعضاء اللجنة الأكاديمية فيها،المشاركة في "ندوة الطفولة المبكرة.. خصائصها واحتياجاتها" والتي نظمتها اللجنة الوطنية السعودية للطفولة بوزارة التربية والتعليم في الفترة من 26-28/8/1425هـ، الموافق 10-12/10/2004م،المشاركة في ندوة تنمية أعضاء هيئة التدريس في مؤسسات التعليم العالي ((التحديات والتطوير)) والتي نظمتها كلية التربية بجامعة الملك سعود في الفترة من 2-3/11/1425هـ، الموافق 14-15/12/2004م،من أنشطته العلمية نشر له مؤخراً كتاب علمي كبير بعنوان ((القراءة الحرة لدى شباب دول مجلس التعاون الخليجي)) وكان بتكليف ودعم من قبل مكتب التربية العربي لدول الخليج،المشاركة في فريق العمل المكلف من قبل معالي وزير التعليم العالي من أجل إعداد التقرير الوطني عن "التعليم العالي في المملكة العربية السعودية" وذلك في الفترة من 30/7/1417هـ، إلى 30/2/1419هـ،المراجعة اللغوية لمشروع التقرير السنوي لجامعة الملك سعود للعام 1415-1416هـ،المراجعة اللغوية لمشروع التقرير السنوي لجامعة الملك سعود للعام الجامعي 1416-1417هـ،المشاركة في بعض برامج إذاعة المملكة العربية السعودية مثل برنامج من حقيبة الضيف، وبرنامج قضايا وآراء في عدة حلقات،المشاركة في حوار حول التعليم الأهلي بين المدح والقدح، بتنظيم من جريدة الرياض اليومية. وقد نشر هذا الحوار في عددها الصادر بتاريخ 24/12/1410هـ،يقوم الآن على ترجمة كتاب (الأصول الفلسفية للتربية ) في طبعته الخامسة، وهو من تأليف كل من: هورد أوزمن وسام كريفر (Philosophical Foundations of Education) By Howard O. Ozmon & Samuel Crave.
وهو عضو في العديد من الجمعيات منها عضو في الجمعية الأمريكية للأبحاث التربوية منذ العام 1988م، وحتى الآن،عضو في الجمعية السعودية للعلوم التربوية والنفسية (جستن) منذ 19/8/1408هـ.
س/ كيف تقرأ نتائج الانتخابات البلدية بالمحافظة؟
ج/التكوين الديمقراطي في الأحساء فرض طبيعة التوجه الانتخابي. تأسيساً على هذا الافتراض، يمكن ملاحظة ما يأتي:
أولاً: إن مجتمع الأحساء تتقاسمه على وجه الإجمال ثقافتان مبنيّتان على معالم إسلامية عقدية، سنة وشيعة. وعلى الرغم من أن السنة كتكوين اجتماعي ينقسمون إما إلى تجمعات قبلية لها امتدادات في البادية، أو تجمعات مدنية تجمعها مصالح قد تكون قبلية أو طبقية أو نفعية، وبين هذه وتلك هناك نثار منهم يعيشون على الهامش ويرتبطون بتداخلات مع فقرات ذلك التكوين، إلاّ أنهم تكتلوا عقدياً ليواجهوا كتلة اجتماعية لم يحسبوا حجمها وقوتها ومقدار تأثيرها. وبذلك فقد استقرؤوا الوضع الانتخابي على أنه تحصيل حاصل، وأن نتائجه ستتوج وضعهم السياسي الذي اكتسبوه رسمياً طوال فترة تاريخية لم يكن أحد يفاجئهم فيها على وضعهم. والظن أن تحركهم الانتخابي لم يكن بالتنظيم الذي يمكن أن يقود إلى حسم الموقف لصالحهم على الرغم من خبرتهم السياسية المدعومة رسمياً، والتي تمتعوا بها ردحاً من الزمن. ويبدو أنهم تنبّهوا من هذه الغفلة، في تحرك انتخابات الغرفة التجارية التي حدثت مؤخراً.
ثانياً: إن الشيعة من الجانب الآخر، فاجؤوا أنفسهم، كما فاجؤوا غيرهم بنوع من التنظيم قادهم إلى حسم الموقف الانتخابي لصالحهم. وهذا لا يعني أن تنظيمهم هذا قد خلا من الصدوع والانشقاقات، وذلك أنه كان من الصعب على بعض الفئات أن تتنازل عن اسمها ووضعها الاجتماعي لصالح أبناء اختصوا بالكفاءة والمعرفة، واكتسبوا احتراماً اجتماعياً من خلال أنشطتهم المجتمعية التي مارسوها، قبل بزوغ التوجهات الانتخابية الرسمية. وهذا يعني أن المجتمع الشيعي في الأحساء لا يخلوا من الامتدادات القبلية والطبقية. وهذه الامتدادات واضحة في تجمعاتهم السكانية سواءً المدنية أم القروية ولكنهم استشعروا حجم التحدي، فتكتلوا، وأثبتوا مقدار تركزهم السكاني، الذي يمكن إذا أحسن استثماره، أن يحقق الكثير من الطموحات والآمال، وإن كانت محدودة التأثير بسبب الخضم السياسي العام الذي يقود البلاد والعباد، وهذا ما حققوه في تحركهم الانتخابي.
ويبدوا أن اللعبة السياسية المقبلة ستكون متحركة ومكثفة. وهذا يعني أن التغييرات و التطورات قادمة. وأنها تغييرات ستكون ذات تحرك جماعي لا فردي، وهذا ما نسميه بالحراك الاجتماعي. والانتخابات البلدية ما هي إلا الحجرة الصغيرة التي حدث وأن ألقيت في ذلك الماء الراكد لفترة طويلة من الزمان. وعلى الرغم من صغر حجم تلك الحجرة، إلا أنها أحدثت أمرين، أولهما أنها شقت طريقها إلى العمق، وثانيها أنها حركت موجةً وإن كانت ضعيفة فقد تكتسب قوةً وتدفع بالسفينة، ولكن اتجاه هذا الاندفاع قد لا يكون محسوباً أو موجهاً. فالسفينة هناك، إن تحركت فستتقاذفها أمواج عديدة، وقد تكون عاتية ولا ترحم، فقد يكون بعضها دينياً عقدياً ثقافياً، وبعضها اجتماعياً سياسياً (جيوبولوتيكياً)، وبعضها اقتصادياً، وبعضها اقتصادياً سياسياً (إيكوبولوتيكياً).
وهذا يعني أن الاستحقاق الانتخابي قد لا يكون ببروز وجوه وصعودها لحضور جلسات متتالية لتقرير أنشطة بنائية محددة، بل قد يتطلب تحفيز تحرك نحو بناء مؤسسات مدنية تتمكن من استقراء طبيعة وقوة واتجاه تلك الأمواج. أي أنه يجب أن يفهم بأن الحراك الاجتماعي أمر واقع لا محالة. وأن وقعه سيطال الأصعدة العقدية الثقافية، والاجتماعية السياسية، والاقتصادية السياسية. وهنا تأتي ضرورة بناء مؤسسات المجتمع المدني المتخصصة. تلك كانت قراءة لنتائج الانتخابات البلدية بالأحساء، ويبدو أنها قراءة قد جمح بها الخيال.
س/ ما أبرز ما خلفته تجربتك في جامعة الملك سعود؟
ج/تأسست جامعة الملك في العام 1377هـ. وتعتبر من الناحية الرسمية هي الأول والأكبر من بين الجامعات في المملكة، على الرغم من محاولات سابقة لها متمثلة في كلية الشريعة في مكة المكرمة. والجامعة الآن تحتضن معظم التخصصات العلمية المعروفة في العالم، وتمنح درجة البكالوريوس في جميع التخصصات، ودرجة الماجستير في أكثر من 75 تخصصاً، كما تمنح درجة الدكتوراه في بعض التخصصات. والجامعة تتبنى الأهداف العامة التي تتبناها جامعات العالم. وهذه الأهداف هي:
التعليم والتدريس، وخدمة المجتمع، والبحث العلمي. ويوجد هناك أهداف خاصة تعكس طبيعة الثقافة التي تتحكم في كل الأنشطة العلمية والمجتمعية التي تحدث في هذه الجامعة، أردت من خلال ذلك التقديم المبسط أن أعطي خلفية عن البيئة التي لها أثر في التجربة التي لا أزال أعيشها في جامعة الملك سعود.
عينت معيداً بالجماعة في العام الجامعي 95/1396هـ. وقد بدأت تجربتي بالجامعة بهذا التاريخ. وكانت تجربة غير مريحة في بدايتها لأسباب عائلية واجتماعية ومالية. كنت في هذه الفترة مشرداً بين التزامات عائلية لم أكن مستعداً، وبين عمل أكاديمي جديد يتطلب مني جهداً ووقتاً لأثبت جدارتي في هذا العمل، وأحقيتّي له. وكانت تجربة مريرة جداً لا أريد الدخول في تفاصيلها، لأن بعضها شخصي جداً. وقد تكون أصعب فترة في حياتي على الإطلاق نظراً لشدة وقعها على صمودي النفسي، ومنها تعلمت قيمة الصبر، وقوة التحمّل، واستشعرت أهمية الصمود والتحدي. هذه الفترة على الرغم من شدة وقعها، إلاّ أنها كانت قصيرة الأمد، لم تطل أكثر من سبعة أشهر، حيث سافرت بعدها إلى الولايات المتحدة مع عائلتي، لإكمال دراساتي العليا. وشعرت هنا بأن فصلاً من حياتي قد انتهى، وتجربة مريرة قد ولىّ تراثها، وصفحة جديدة قد فتحت في حياتي، فآثرت أن أتناسى كل ما مضى، وأن أقف على عتبة سلّم جديد من الحياة كما يقول الشاعر المعروف نزار قباني:
عشرون عاماً فوق درب الهوى
ولا يزال الدرب مجهولاً
فمرةً كنت أنا قاتلاً
وأكثر المرات مقتولاً
عشرون عاماً يا كتاب الهوى
ولم أزل في الصفحة الأولى.
بهذا الشعور وطأتا قدامي أرض العالم الجديد، وكان ذلك في صيف 1977م. وابتدأت تجربة جديدة ساقني إليها قدر تناهبته الأعاصير من كل جانب. ولا أريد الدخول في تفاصيل هذه الأعاصير لئلا يطول المقال، ويخرج من سبيله المحدود. ولكنها تجربة استمرت أكثر من عشر سنوات، كان الحبل فيها فرضً لنا مالياً وإدارياً ورسمياً. غير أن دائرة هذا الحبل ابتدأت تضيق لنضطر لإنهاء وضعنا القائم والمريح هناك، والعودة إلى الوطن بعد تحقيق الأهداف في سنة 1988م. بهذه العودة تبدأ تجربة أخرى لا أزال أعيشها ويبدو أنها على وشك النهاية. جئت غريراً أحمل أصالة الماضي، وتجربة سنوات في الغربة لا أزال أستطعم ذكرياتها. جئت وأنا جاهل لطبيعة العقليات التي سأتعامل معها، كانت معرفتي بتلك العقليات مبنية على ثلاثة أصعدة: على صعيد الشخصية معها عندما كنا جميعاً طلاباً في الجامعة، وعلى الصعيد العملي عندما كنا جميعاً مرفوعي لنا الهامات باعتبارنا من أوائل من سيحمل أتعاب أكاديمية عليا في المستقبل، وعلى الصعيد الدراسي في الخارج، إذ كانا جميعاً نواصل تعليمنا العالي في الولايات المتحدة الأمريكية، ويعرف بعضنا خبايا بعض في تلك البلاد. كنت أتصور أن هذه الرؤية، وهذه المعرفة ستكون شفيعاً يمهد طريقي كما أريد في هذه البيئة الجديدة. ولم أكن أتصور أن تلك العقليات ـ إلا ما ندر طبعاً ـ كانت تحمل بين ثناياها لؤماً مغلفاً بابتسامة تنمّ فقط أن بيننا معرفة، أو أننا سبق و أن تعاملنا مع بعضنا البعض. و يحضرني هنا قول شاعر لا أعرف أسمه:
لا تأمننّ لئيماً ما استطعت ولا
تثق به فهو ثعبان وثقبان
ترى طهارته باللؤم ناعمةً
لكن باطنه بالسمّ ملآن.
دخلت هذه التجربة، وأنا بسيط، أحسن الظن، وأتصور أن أبواب الحياة الجديدة مفتوحة لي بشوق وبحنان. ولكن الأمور بدأت تتكشف منذ أوائل أيامي في هذه التجربة. بدأت أشعر أن الطائفية لها مذاق خاص بين تلك العقليات، وأن الإقليمية أنتجت تكتلات، وأن القبلية والانتماء العرفي هو معيار للمحاباة ومضمار للصعود أو النزول. فوجدت أن البيئة التي أعايشها هي ساحة صراع، ليس أكاديمياً كما هو المرجو، بل اجتماعي ينمّ عن المستوى الثقافي الذي يستبطن مسيرة الحياة في هذه الأمة. ويبدو أن هذه الظاهرة شائعة بين كل مكونات النظام الاجتماعي.
والتجربة الأخرى التي اكتسبتها خلال وجودي في الجامعة، أني وجدت الكثير من الأمور تجري في الخفاء، على الأخص الأمور الشخصية، المتعلقة بأنشطة العمل. حيث أن العلاقات والاتصالات من وراء الكواليس تغيرّ الكثير من الأمور. وأن هناك الكثير من التناقضات في عمليات اتخاذ القرار. وهذا يعني أن الأنظمة المعمول بها يمكن تجاوزها، وأن هناك الكثير من التداخلات التي تأتي من خارج الجامعة.
ولكن هذا لا يعني أن كل التجارب التي استنفدتها من وجودي بالجامعة هي سلبية، بل هناك الكثير من الايجابيات في الحياة الجامعية. فهناك النظرة الاجتماعية العامة إلى حملة شهادات الدراسات العليا، وهناك مجال الاطلاع على أحدث المبتكرات العلمية والمكتشفات المعرفية والمصطلحات الجديدة، لأن الجامعة ـ بفضل الله ـ على تماس مباشر بمراكز الأبحاث في أنحاء العالم، فما على الفرد سوى التحرك ليحصل على كل ما يريد من معرفة.
ومن التجارب المهمة، هي قضية التخصص في مجال علمي محدد، حيث يكون الفرد معروفاً، من الناحية الأكاديمية بتخصصه، ويشار إليه في ميادين البحث، وكأنه من رموز هذا التخصص، بل قد يكون مأخوذ الرأي في ميدانه.
ومن التجارب الرائعة التي هي متاحة لكل أعضاء هيئة التدريس في الجامعة، هي إمكانية الترقية الأكاديمية من أستاذ مساعد إلى مشارك وإلى أستاذ. وهذا يعتمد على النشاط العلمي والفكري لعضو هيئة التدريس.
ومن التجارب القيمّة، هي أن الفرصة متاحة للقيام بالمشاريع البحثية الكبرى، سواء على مستوى الجامعة أو المؤسسات الرسمية، أو غير الرسمية، والتي قد يحصل الباحث من خلالها على مردود مالي كبير، أو مردود معنوي مميّز. ومن التجارب الجيدة هي الحرية المطلقة لعضو هيئة التدريس من حيث المادة العلمية التي يقدمها لطلابه بما يتوافق مع أهداف الجامعة وأهداف التخصص أو من حيث تنظيمه لوقته وجداوله، بالأخص في مجال الدراسات العليا.
ومن التجارب المفيدة الأخرى، هي المشاركة الدائمة في الندوات والمؤتمرات المستمرة التي تقوم بها كليات الجامعة وأقسامها. إذ يتمكن عضو هيئة التدريس من خلال هذه المشاركات أن يكتسب خيرات الحوار والنقاش، وإدارة الجلسات وتنظيم الندوات والمؤتمرات، وكتابة التقارير عنها...إلخ. وفي هذا المجال تقوم الجامعة بتوفير كل الإمكانيات المادية والمعنوية لحث أعضاء هيئة التدريس على المشاركة في هذه الندوات، سواءً كانت داخل المملكة أم خارجها. حيث أن تجربتي ـ بحمد الله ـ كبيرة في المشاركة بالندوات الداخلية ـ على مستوى المملكة ـ أو الخارجية على مستوى العالم. تتحمل الجامعة نفقات الباحثين وتأمين كل احتياجات سفرهم إلى الخارج ومن خلال هذا السفر تعرفنا على الكثير من العلماء والباحثين والمتخصصين على مستوى العالم العربي والإسلامي و العالمي.
وأخيراً من الإيجابيات الرائعة، هي تجربة التفرغ العلمي. فيستطيع عضو هيئة التدريس أن يأخذ تفرغاً علميا ً كل ثلاث سنوات. فيعطى الباحث سنة دراسية كاملة يسافر فيها حيث يشاء وعلى حساب الجامعة، ويصطحب معه أفراد عائلته، ومن المفترض خلال هذه السنة أن ينجز برنامجاً علمياً مخططاً له مسبقاً، وموافقاً عليه من قبل الجامعة. كل تلك التجارب استفدنا منها ولله الحمد.
وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى تجربتي العلمية في الخارج، وما أبرز نتائجها، فإنني أرى أن هذين الموضوعين متداخلان ، وأن أحدهما نتيجة للآخر، كما أني أشرت في بداية حديثي عن هذه الفقرة إلى مسألة ابتعاثي إلى الخارج، وكيف حدثت. وهنا يمكن الحديث عن هذه التجربة في نطاقها العلمي، وما أسفرت عنه من نتائج.
تجربتي العلمية في مجملها كانت خارج البيئة التي نشأت وترعرعت فيها. وهذا يفيد بأنني كنت طوال حياتي، ولحد الآن على جناح سفر، وهو سفر ذو توجه علمي في كل أوقاته، وإن كان جزء رئيس من هذه الأوقات لم يكن يستهدف الدراسة، بل كان هدفه ديني، والدراسة جاءت مصاحبة له. هنا يمكنني توزيع تجربتي العلمية على ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: كانت مرحلة الدراسة المبكرة، وهي لم تكن خارج البلاد، بل خارج قرية التويثير، حيث اتجهت أولاً إلى المبرز، لتعلّم القرآن الكريم على يد الأستاذ الشهير، في تلك الأيام، وهو المرحوم السيد ياسين الموسوي. وقد قطعت عنده شوطاً في دراسة القرآن الكريم وتعلم مبادئ القراءة والكتابة و كنت أعيش في دار أخوالي لأبي، وهي دار الخطيب المعروف في تلك الأيام، السيد أحمد الأحمد، وقد تأقلمت مع تلك البيئة وعشت فيها أوقاتاً لا تخلو من متعة وأمن. ولا تزال الكثير من مفرداتها مستقرة في خيالي. لكن هذه المرحلة لم تدم طويلاً، حيث قرر الوالد نقلي إلى بيئة الطفولة الأثيرة على نفسي، وهي بيئة "الفريج" أو الرفعة الشمالية في الهفوف، وهنا سجلني في مدرسة الفتح السيد جواد بن السيد كاظم الحداد، وكان هو الذي يقوم على توفير كل احتياجات المعيشة لي و لأهلي، في منزلنا المجاور لمنزلهم، والملاصق لمنزل المرحوم الحاج محمد العليو، والمرحوم الملا أحمد الفهيد. والأخوين صادق وحسن الفهيد. وفي مدرسة الفتح كنت محط رعاية خاصة، بحكم علاقات الوالد ومعارفه الكثّيرة، من سنة وشيعة. استمرت دراستي في هذه المدرسة ثلاث سنوات تعرفت خلالها على كثير من الأصدقاء، من آل الملا وآل الدوغان، وآل الباسم (ولنا مع آل الهاشم وهؤلاء صلات نسبية على الرغم من اختلافنا معهم في المذهب)، ولا أزال أحتفظ بعلاقات مع بعضهم على الآلف. وتنتهي إذن هذه المرحلة، وأنا في الصف الثالث الابتدائي.
المرحلة الثانية: وهي تبدأ في سنة 1957م، حيث سافرنا إلى العراق لنستقر في مدينة كربلاء المقدسة، رغبة من الوالد في مجاورة الإمام الحسين عليه السلام. وهذا هو الهدف الديني الرئيس، وهذه هي التجربة الأولى التي قادتني للدراسة خارج الوطن. ومن خلال هذه التجربة أكملت الدراسة الابتدائية والمتوسطة والثانوية، وهذه فترة زمنية من العمر تجاوزت اثنتي عشرة سنة. وفيها شكلت المنظومة الثقافية لنمط تفكيري، وتحددت اتجاهاتي العلمية وميولي الأكاديمية.
وفي هذه البيئة اندمجتُ بكل مقاطع الحياة الاجتماعية في مدينة كربلاء. فامتزجت بمختلف الطبقات الاجتماعية المكونة للبناء الحياتي. ولابد أن أشير إلى البناء الاجتماعي في تلك المدينة المقدسة. وهنا لابد لي من التأكد من أن هذا البناء الاجتماعي يستند بكل قطاعاته إلى المرجعية القدسية لهذه المدينة، حتى تلك القطاعات المحسوبة على التوجهات العلمانية والليبرالية. وهنا يمكنني أن أقسم المجتمع الكربلائي إلى الأقسام التالية (وهو تقسيم مبني على خبرتي الذاتية، وليس على اتجاه أكاديمي أو علمي محدد):
1- الطبقة العليا:
وهي طبقة مكونة من مجموعة متداخلة من العوائل التي تعتبر نفسها طبقة اجتماعية مميزة. وهم في مجملهم من عوائل عربية مستقرة في المدينة منذ قرون، وهي تتوارث الألقاب والنعوت التي تشير إلى مستواهم الاجتماعي. وهم الذين يسيطرون على إدارة وتوجيه الحرمين المقدسين (حرم أبي عبد الله الحسين عليه السلام، وحرم أبي الفضل العباس عليه السلام). ومن خلال هذه السيطرة استطاعوا اكتساب ثروات مالية وعقارات كثيرة، وأملاك زراعية واسعة. كما أن معظمهم يعمل في الإدارات الحكومية والمؤسسات الاجتماعية الأخرى. والكثير منهم انخرط في الأنشطة الدينية والسياسية والتنظيمات المجتمعية. ونرى الآن بعض الوجوه البارزة منهم على المساحة العراقية.
2- الطبقة الوسطى:
وهي طبقة تتكون في مجملها من التجار وأرباب الحرف والعمال، والمشتغلون بالأنشطة الاقتصادية. وهؤلاء يتكونون من عدة طوائف، بعضهم من أصول فارسية، وهم الذين يمسكون بعصم النشاط التجاري على مختلف مستوياته. وهم من يقود كذلك معظم الأنشطة الدينية، في كل المناسبات المعروفة لدى الشيعة. وبعض هذه الطوائف من أصول عربية، توافدوا إلى كربلاء من أنحاء العراق واستوطنوا فيها ليكونوا فئة عاملة، إما في الأنشطة الزراعية أو كعمال مهرة في كافة الأنشطة الإنتاجية أو الإنشائية، وهم ينتمون إلى قبائل العراق العربية المعروفة. وبعض هذه الطوائف من أصول عربية استوطنت كربلاء ليكونوا بالقرب من قبر سيد الشهداء الإمام الحسين(ع). وهم ينتمون إلى الدول العربية المجاورة للعراق، وبالذات من دول الخليج العربية، بعضهم تمكن من العمل ببعض الأنشطة التجارية كخياطة وبيع المشالح و العبي، والبعض الآخر يمتلك ثروة في بلاده الأصل، وهو يعيش منها وليس بحاجة إلى عمل. وبعضهم من طلبة العلوم الدينية، كآية الله الشيخ علي العيثان، وآية الله الشيخ محمد الهاجري. إلا أن هذه الفئة على العموم لا تشكل ظاهرة اجتماعية بارزة لها تأثير على المجتمع الكربلائي. على الرغم من أنها تحظى بنوع من الاحترام والتقدير، إما لثرواتها أو لعلمها.
3- الطبقة الدنيا:
وهم مجموعات من الفقراء والعاملين الملتجئين إلى الحرمين المقدسين من نواحي مجاورة لمدينة كربلاء أو من مدن عراقية أخرى. وجزء منهم من أصول غير عربية، وهم يعيشون في تخوم المدينة في تجمعات سكنية متواضعة، ويرزقهم الله، ببركات أهل البيت(ع)، ومما تجود به أيدي المحسنين. وهو أمر معتاد في المدن التي تتوارث تاريخاً من نوعٍ ما.
هذه الفئات الثلاث إذن تكوّن المجتمع الكربلائي، وبين ثنايا هذه المجتمعات قضيت أخصب أيام حياتي الفكرية والدراسية، وقضيت بها أيام مراهقتي الشبابية التي لا تخلوا من طيش، وإن كان منضبطاً في مجمل دخائله. فتكونت لي علاقات في هذا المجتمع النشط. وهذه العلاقات متأسسة على قناعات فكرية وأدبية وثقافية. فمن خلال قيادة بعض العلماء البارزين، بعضهم لا يزال حياً يرزق، ويقوم بجهد كبير في خضم المعترك السياسي العراقي الحالي مكننا من تأسيس العديد من المدارس الأهلية و النوادي الثقافية، كما نقوم بتنظيم الاحتفالات والندوات الدينية، ونكوّن الكثير من الحلقات العلمية، كحلقة دراسية في الفقه، وأخرى في النحو، وأخرى في الأدب ـ على الأخص الشعر ـ كما كنا نقوم بالكثير من الرحلات السياحية في كافة أنحاء العراق.
هذه هي البيئة التي تكونت فيها حياتي الشبابية الأولى. وانتهت هذه الحياة في العام 1969م، عندما تخرجت من الثانوية (إعداد كربلاء)، وابتدأت أستعد للدراسة الجامعية، وكان لي طموح جامح يدفعني للالتحاق في جامعة بغداد. وهنا، وفي هذه الفترة، يتدخل سماحة آية الله الشيخ محمد الهاجري، وبضغط من والدي كي أنخرط في الدراسة الدينية، وألتئم في أنشطة الحوزات العلمية، وعلمت في فترة متأخرة أن بعض القيادات الدينية الكبرى في كربلاء كانت تضغط كذلك ومن خلال آية الله المرحوم الشيخ الهاجري نحو هذا الاتجاه. و تشاء الأقدار أن لا تدفعني نحو هذا الاتجاه، وتشاء الأقدار أيضا أن ألتقي في بغداد بشباب من الأحساء، وكنت وقتها أحاول التسجيل في جامعة بغداد، حيث نصحت من بعضهم بالتوجه إلى جامعة الرياض ـ كما كانت تسمى آنذاك - فما كان مني إلاّ أن حجزت في أقرب رحلةٍ إلى الرياض، لأنتظم في الدراسة في كلية التربية الحديثة التأسيس، والتابعة لهذه الجامعة. وبهذا أكون قد عدت إلى الوطن لأتذوق طعم الدراسة الجامعية فيه.
المرحلة الثالثة: وهي مرحلة الدراسة العليا في الولايات المتحدة الأمريكية. فقد تخرجت من كلية التربية بجامعة الملك سعود في العام 1974م، وعيّنت معلماً للتربية وعلم النفس بمعهد المعلمين بالدمام، وأمضيت فيه سنتين، حيث استدعيت بعدها إلى جامعة الملك سعود لأكون معيداً بكلية التربية، لأبتعث في نهاية عام 1976م، وبداية عام 1977م، إلى الولايات المتحدة الأمريكية، لأستقر في ولاية متشجان الشهيرة، وفي إحدى أشهر جامعاتها، وهي جامعة ولاية ميتشجان بمدينة أيست لانسنج، وهي مدينة جامعية تابعة لمدينة أكبر منها تسمى لانسبح، وهي العاصمة السياسية للولاية، وتبعد من مدينة ديتروت الشهيرة غرباً بحوالي ثمانين ميلاً.
في هذه الجامعة درست اللغة الانجليزية بتركيز شديد وكنت في هذه الفترة أعيش انبهار الحياة الجديدة، وأقارن انسيابية هذه الحياة وبساطتها ونظامها الدقيق، بما نحت عليه في بلدانا من أوضاع لا تسر العدو. تمكنت بفضل الله من إنهاء برنامج اللغة بتفوق، وسجلنا أول مقررات مرحلة الماجستير في صيف عام 1977م. وأنهيت هذه البرامج في ربيع 1977م، وأوشكت هنا رحلتي الدراسية أن تتوقف لصعوبة الحصول على قبول لدرجة الدكتوراه، ولصعوبة الانتقال إلى ولاية أخرى أو إلى جامعة أخرى. ولكنني نافست على ثلاثة مقاعد متاحة لدرجة الدكتوراه في تخصصي (التعليم الثانوي)، وهو التخصص الذي ابتعثت من أجله، وهو جزء من تخصص أوسع يسمى (نظم التعليم) والذي يبنى على تخصص أشمل يسمى (أصول التربية)، وفقت بعد عدة اختبارات وعدة مقابلات بالحصول على إحدى هذه المقاعد الثلاثة. وابتدأت البرنامج في العام 1980م. وهنا استرخت الأعصاب، وطابت الحياة، واندمجنا في أنشطة عديدة مع المنظمات العربية
والإسلامية، في تلك المنطقة. وقد آثرت هذه الأنشطة فضلاً على جهدي الدراسي. فطالت المدة، وانقطعت البعثة، لكني تمكنت من إنهاء الدراسة في شتاء عام 1988م، وعدت إلى الوطن لاستلام العمل الذي أنا فيه إلى الوقت الحاضر. وهذه التجربة كان فيها بالنسبة لي بناء جديد للحياة، فعلى الرغم من غنى حياتي السابقة وكثرة تجاربها، إلا أن حياتي في الولايات المتحدة الأمريكية قد غيرت الكثير في قناعاتي الفكرية ونظراتي الثقافية. وهذه من أبرز نتائج هذه المرحلة. فلم أعد أنظر إلى الأمور ومتغيراتها في الزاوية الضيقة الجامدة التي تعلمتها في حياتي السابقة، أدركت أن الحياة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون ذات /واحد بعينه، وأن الحقيقة أمر كبير جداً يمتلكه كل ما هو موجود في هذا الكون، سواء كان متحركاً أو جامداً فلا يمكن لأي إنسان أن يتذوق طعم الحياة إلا إذا أدرك أن هذا الطعم لا يمكن أن يكون على وتيرة واحدة. طبعاً هذه ليست ثابتة بالنسبة لي، بل هي مستمرة في التحرك والتغيّر.
ومن نتائج هذه المرحلة المهمة، هي اكتساب خبرة التعامل مع المعرفة، واستقطاب المعلومة، وكيفية تصورها وعرضها والتعبير عنها. وهي ترتبط بالمكاسب العلمية، التي حققناها هناك. لأنه تبين لنا فيما بعد أن من أهم دراستنا العليا هو بناء نظام فكري دقيق يقود إلى سعة الأفق، وخيال التصور، وربط المعارف نتيجةًَ إلى ذلك ببعضها. فالنظر إلى المعلومة، بهذا التكوين، هو الذي يهيئ لبناء الفرضية العلمية ويؤسس لتكوين النظرية الفكرية. ومن نتائج هذه المرحلة، هو اكتساب عملية التصنيف العلمي للمعرفة. لأن النظرية الفكرية المشار إليها، إن تكونت، لابد أن تجد لها مستقراً تستوطن فيه، وهذا المقر هو مجالها العلمي، وهو دائماً موجود، وعلى الباحث المتمكن أن يكتشفه، ليضع هذه النظرية الفكرية فيه. وهو ما يعلق عليه لحركة التصنيف العلمي. وهي عملية منطقية تأملية بحتة.
ومن أبرز نتائج هذه المرحلة، بعد كل ما تقدم هو الحصول على درجتي الماجستير والدكتوراه في الآداب والتربية. هذه هي التسمية العلمية لهاتين الدرجتين حسب التصنيف التفكيري الذي أشرت إليه. و لك أن تسأل، هل كل من يحصل على درجة الدكتوراه يكون بمستوى هذا المنظور؟ والجواب : هذا هو المفروض، وليس هذا هو الواقع.
س/ لو طلبنا منك نصيحة تقدمها لكل طالب أكاديمي، ما أبرز عناصر النصيحة؟
ج/الطالب الأكاديمي في أي مستوى دراسي، سواء كان ذلك المستوى نظرياً أو علمياً، أو فنياً. وأظن أن المقصود في هذه الفقرة هم الطلبة الجامعيون. وهم الذين نتعامل معهم بصورة مباشرة. ونصيحتي لهم هي أن يدركوا بأن العلم مهما كان نوعه، حتى وإن أجبروا عليه لابد أن يؤدي بهم إلى فضيلتين: الأولى هي سلوكية تجعلهم يتحلّون بسمات العلماء ـ هذا إن كانت لعملية التعلم من تأثير ـ والثانية وظيفية تجعل من المتعلم قابلاً للتكيف مع أي طارئ، وقادراً على أن يتبنى أي مهنة، ومستعداً أن يستوعب أي تطور معرفي أو تكنولوجي. ولكن الطالب الأكاديمي الذي من المفترض أن يكون وقف هذا التصور لابد أن يعي أهمية العلم، ويخصص كل جهده ووقته، وماله، وإمكانياته له. والعلم بهذا المعنى بحر لا مقر له، ولا شاطئ يحده، لا يمكن السيطرة عليه بسهولة. فالعلم إن أعطيته كلك أعطاك جزءه. وكل طالب يتعلل بعدم الرغبة في هذا التخصص أو ذاك، أو يتعلل بسوء تعامل هذا الأستاذ أو ذاك، فاعلم أنه ليس بطالب أكاديمي، بل إنسان في معهد تعليمي ينتظر اكتمال سنوات دراسته، ليحمل ورقة يستدل بها على تخرجه لا على تعلمه. والطالب الأكاديمي هو الذي يكون دائماً على اتصال مباشر بالعلم، ومتفاعل معه، فالعلم إن قطعته قطعك. وهذه هي مصيبتنا الثقافية الكبرى. ولحد الآن لم نتمكن من بناء مجتمع معرفي ومصطلح "مجتمع المعرفة" قد عمّ الكون، وأصبح مقياساً تقيم على أساسه الأمم. هذه النصيحة التي أقدمها للطالب الأكاديمي، تدفعني إلى التعليق على قضية قشرية معلومات التخصص لدى الطالب الجامعي. والمقصود هنا هو ضعف الطالب في مجال تخصصه. وهذا الضعف ناتج من عدة أسباب:
- عدم وجود المجتمع المعرفي، وقد أشرت إلى ذلك لأن الطالب يتخصص في مجال قد لا يعرفه أي إنسان في النظام الاجتماعي، والمرء عدو ما يجهل، كما يقال. وبذلك لا الطالب يدرك أهمية تخصصه، ولا المجتمع مستعد للاستفادة من هذا التخصص.
- النظام التعليمي لا يزال يسير وفق حركة روتينية محددة، ويتضمن بداخله الكثير من المشكلات، من ضمنها الكتاب المدرسي، وإعداد المدرس، ونظام التقويم، والمبنى المدرسي، وعلاقة الأسرة بالطالب وبالمدرسة، وعدم وضوح الأهداف، والغياب والتسرب والرسوب..إلخ.
- الانفجار المعرفي، والتطور التكنولوجي الهائل، واتساع نطاق استخدام وسائل الاتصال المتقدمة. وهي أمور لسنا من صنّاعها، بل من مستخدميها. أي أننا لم نتمكن بعد من التعامل مع المعرفة على أننا من منتجيها، ولهذا نجهل طبيعة هذا التكوين المعرفي، وتكون معلوماتنا حياله "قشرية".
- عدم توافر المراكز المعرفية في بنية مؤسسات المجتمع المدني، فالمتطلبات العامة من متناول أبناء المجتمع تكاد تكون معدومة، ومراكز الأبحاث شحيحة، والتجمعات العلمية المتخصصة قليلة، وإن وجدت، فنشاطها العلمي محدود. وأكبر دليل على ذلك قلة الندوات والمؤتمرات، وقلة الحضور. هذه بعض من أسباب مشكلة قشرية معلومات التخصص لدى الطالب الجامعي.
س/ ما تعليقك على من يرى توسع الفجوة بين علماء الدين ومثقفي المنطقة؟
ج/مثل هذا الأمر قد يكون شعوراً شخصياً وليس ظاهرة اجتماعية، لأنني قد أتجاوز وأقول: إن هناك أفراداً يمكن أن يطلق عليهم علماء دين بالمعنى الاصطلاحي المعروف، ولكنهم لا يمكن أن يشكلوا طبقة اجتماعية محددة المعالم من حيث نشاطاتها المجتمعية والاقتصادية والسياسية.
قد يكون هناك تحرك لبعضهم في مثل تلك النشاطات، ولكنه تحرك ليس مربوطاً بمؤسسات مدنية، بل تحرك مرهون بوقت محدود، ومربوط بمصالح، أياً كان نوع هذه المصالح. هذا من جانب، ومن الجانب الآخر، أين هو التحرك أو النشاط الثقافي لهؤلاء حتى يتمكنوا من استقطاب المثقفين الآخرين؟
أما المثقفون فهم أيضاً لا يشكلون ظاهرةً فريدة في النظام الاجتماعي تعكس خصوصية ثقافة الطائفة. فإن كان هناك من تحرك ثقافي لدى بعض أبناء المنطقة، فهو يسير وفي الحراك الاجتماعي العام لهذه الدولة. فإني أرى أن لا علاقة بين الفئتين أصلاً حتى تحصل بينهما فجوة. فإن كان هناك من حماس وعاطفة وتفاعل مع قضايا الطائفة، فهي أمور يتبناها الجميع، ولا تعكس مواقف ثقافية يتباعد أو يتقارب حولها موقف الطرفين.
س/ نصيحة تريد تقديمها لكل من :
1-طالب العلم: والمقصود هنا بطالب العلوم الدينية. وهو أصلاً متوجه لتخصص علمي محدد، وهو العلم الديني. وهو علم واسع جداً وله أصول ومبادئ ومتطلبات. وهو كبقية العلوم المتخصصة التي تحتاج إلى ذكاء متقدم وعقلية متعددة المواهب. فالشخص الذي لا يجد في نفسه مثل هذه القدرات، قد يكون نافعاً في ميادين أخرى. وعلى طالب العلم أن يفرغ نفسه كلياً لدراسته وعلمه، ولا يفكر في الوجاهة والقيادة.
2-الخطيب الحسيني: الخطابة في مجتمعنا هي مهنة يرتزق منها من يمارسها. والتنافس على من يجيدها أكثر من غيره. وبما أنها مهنة، فهي فن، وبما أنها فن فهي علم، وبما أنها علم فتحتاج على دراسة ودراية وتخصص. فكم أهيب بالخطيب الذي هو دائم التعلمّ، والذي يتمكن من وضع ما تعلمه في صيغة حدث يمس كل من يستمعه. وبهذا يكون الخطيب قائد للحدث وموجهاً له ومتفاعلاً معه.
3-المثقف: الثقافة هي الوعاء الذي يحتضن كل فكر أو سلوك أو عادة يجمع عليها جل أبناء المجتمع. والمثقف هو الذي يلم بكل ذلك. والنصيحة هنا تتركز على قدرة هذا المثقف على تصور طبيعة ثقافية، حتى يتمكن من عرضها بالأسلوب الذي يفرض احترامها ولا يغض من خلالها بثقافات الآخرين.
4-المعلم: عملية التعليم هي إمكانية إيصال المعرفة لمن يجعلها وفق هدف
ومنهج. المعلم هو المعني بذلك، وهذا يعني أن المعلم لابد أن تتوفر لديه الخبرة والكفاءة للتعامل مع المادة المعرفية، ومع المتلقي لهذه المعرفة. هذا يقتضي استشعار المعلم مدى خطورة مهنته، ومدى ضخامة المهمة الملقاة على عاتقه، لأنه يتحمل مسؤولية التعامل مع أغلى وأثمن ما هو موجود في النظام الاجتماعي، وهم أبناء الأبناء وورثة المستقبل.
س/ ما أبرز الأمنيات التي لم تر النور؟
ج/(أتمنى في الثريا مجلسي: والتمني رأس مال المفلس)، الأماني واسعة وعريضة ولا حدود لها ولكن ما تحقق منها، هو كافٍ بالنسبة لي، وأحمد الله عليه. وما لم أحققه تمكنت من تحقيقه في أولادي. شكراً لله على ما أنا فيه.
س/ حدثنا عن أبرز ذكرياتك مع أهالي الرفعة الشمالية.
ج/ذكريات في "فريج الشمالي" أو الرفعة الشمالية:
وهي ذكريات عزيزة على نفسي، ومن خلالها أشعر بالغيرة على الفريج،
وعلى أهل الفريج. ولا يزال البيت الذي قضيت فيه شطراً من حياتي موجوداً. وكم هي لذيذة تلك الحياة في ذلك البيت، لأنني أصبح في مجلس الوالد الواقع في الدور العلوي من المنزل، على وجوه نيرّة مؤمنة يحفوني بالمودة والحب، من أمثال الشيخ عبد الوهاب العزيزي، والشيخ كاظم المطر، الذي كلما رآني احتضنني ومنحني قبلة حانية وبقوة على إحدى وجنتي، والشيخ أحمد الطويل، والحاج الوجيه محمد العليو، والسيد كاظم الحداد، والحاج عبد الله البحراني وإخوانه، وآل بن حمضة وآل القريني، وآل الجاسم آل بن عبدي، وآل بن شمس و أعزتي وأهلي آل الفهيد وآل محمد العلي، وغيرهم كثير. وكانت سطوح منازلنا مفتوحة على بعضها، حيث كانت الأمهات و الأخوات يتزاورن في كل يوم، ويقمن بحياكة الحصر من خوص النخيل. وأنا أتصور نفسي كفراشة أتنقل من وردة إلى وردة ومن غصن إلى غصن. أرضع من هذه وأتغذى على حليب تلك، فلي في هذا الفريج أكثر من أم غذتني من حليبها. وعطفها وطهارتها وإيمانها، وكم أنا فخور بذلك، ومعتز به.
وكانت هناك مجالس أخرى يصطحبني والدي إليها، وكم كنت أحب الذهاب إليها، وأعشق أهلها ومن فيها. وكانت كل هذه المجالس تحتضن مصنعاً للرجولة والشهامة والكرم، ومصنعاً للحياكة والبشوت، حيث تدور فيها أنوال الحياكة وأدواتها، وروائح الندوة وألوانها. وأعزها على نفسي على الإطلاق هي "سيالة". وهي مجلس ومركز حياكة آل محمد العلي، وهي مجاورة لدارنا مباشرة، وكنت أقضي معظم أوقاتي مع من يعمل فيها، من أمثال سعود، وعبد الحميد رحمهم الله، ويوسف، عافاه الله. ومن المجالس التي كنت أحبها، هو مجلس السيد كاظم الحداد، وهو مجلس يعتبر بالنسبة لنا وكأنه جزء من حياتنا بسبب لقب السيادة الذي خصنا الله به سبحانه وتعالى. ولا يزال استمرارية هذا المجلس قائمة إلى حد الآن. ومن المجالس الأثيرة لدي هو مجلس الحاج محمد العليو، وهو مجلس عامر بوجاهة أصحابه وقيمتهم الاجتماعية. وكنت أقضي أوقاتاً من كل يوم في هذا المجلس وألعب مع أبنائه الذين هم في مثل عمري، وإخوتي من الرضاعة. وأحب كثيراً الدار الذي يلينا مباشرةً، وله باب مفتوح على بيتنا مباشرةً، وهو دار المرحوم الحاج أحمد الفهيد، (أبو صادق، وحسن الفهيد). وكانت أم البيت هي (العمة مهرة) رحمها لله، وكانت مطوّعة تدرّس الأطفال القرآن الكريم.
وكثيراً ما كانت تقوم بإدارة شؤون بيتنا في حالة غياب الوالدة، أو انشغالها بقراءة المجالس الحسينية في بيوت "الفريج". وذكرت لي أخت لي، طاعنة في السن، ولا تزال حية ترزق، أنها كانت تحملني في بعض الأوقات وتأخذني بصبة العمة مهرة إلى الدار الثانية للحاج الملا أحمد الفهيد، لأرضع من أم صادق، وكان اسمها هاجر، رحمها لله تعالى. ومن المجالس التي أحبها، هي مجلس العم العزيز الملا محمد الفهيد رحمه الله. وكنت أذهب إليه باستمرار على الرغم من بعده النسبي عن دارنا، لغرضين: الغرض الأول حبي وولعي باللعب مع أخي وصديقي سلمان ابن المرحوم الملا محمد، والغرض الآخر هو تلك الحلويات اللذيذة التي كان يعطينا إياها أبو سلمان رحمه الله، وأتذكر أنّ أول استكانة شاي من القجرات شربته في حياتي هو من يد العم المرحوم أبو سلمان.
ومن الذكريات التي لا تنسى هو زياراتنا المتكررة لتلك الحسينية الطاهرة المباركة، "حسينية فريج الشمالي". وأتذكر أن الذي كان يشرف عليها هو الحاج عبد الله البحراني، والد المرحوم عبد الرسول وسلمان و عبد الوهاب. وكنا نلتقي هناك بكبار المشايخ والعلماء. وكانت تكال لنا في تلك الحسينية المقدسة تلك الوجبات الحسينية المباركة، فكلنا نأكل حتى نملّ. وقد أوقف الوالد رحمه الله أحد بيوته في "الفريج" على هذه الحسينية.
ومن ذكرياتي الجميلة في هذا الفريج الحبيب، هي أن والدي كان يصطحبني مع العم الكبير السيد كاظم الحداد، في بعض الأحيان إلى نخيل وبساتين آل الجاسم، حيث أتذكر أننا كنا نذهب إلى نخل لا يبعد عن عين الخدود كثيراً، وهو نخل لوالد الحاج حجي الجاسم رحمه الله، حيث كان يمر في وسط نهر ليس بالكبير، ولكن ماءه دافئ ونظيف، فكنا نسبح في هذا النهر، ونقضي اليوم بكامله هناك، ونعود في المساء على ظهور تلك الحمير الحساوية، وكأننا ملوك على أجنحة ساحبات الهواء.
وأختم القول في هذه الذكريات بقول أبي تمام الطائي:
نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى
ما الحب إلاّ للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى
وحنينه أبداً لأول منزل.
س/ كلمة حول شخصية كل من :
1- الشيخ محمد بن سلمان الهاجري:
جاء هذا الشيخ إلى الأحساء بعد دراسته الطويلة في كربلاء ليثبت فيها روح الحركة العلمية الخاصة من جديد. حيث كان يستقبل الكثير من طلبة العلوم الدينية في داره، و يؤدي واجب التعليم لهم قبل قيامه بشؤونه الخاصة. وقد أعطى للقضاء الجعفري رونقه الجميل من العدل وعدم المحاباة. وكان مجلسه يتسم بهيبة قد لا تتوفر للكثيرين. وكان ينفذ شرع الله، على منهاج أهل البيت(ع) على الصغير والكبير. رحم الله الشيخ المجتهد.. آية الله الشيخ محمد بن سلمان الهاجري.
2- الشيخ حسين الخليفة:
هذا الشيخ المجتهد كان مثالاً للورع والتقوى والجد والمثابرة، جاء إلى الأحساء في وقت كادت تخلو من رواد العلم والمعرفة المتوالين بمحمد وآل محمد. فكان خير وكيل لكبار قيادات المذهب في ذلك الوقت. فكان الرجل العالم الموثوق الذي كسب ثقة أهل المنطقة من جانب، وثقة المراجع الكبار من الجانب الآخر. رحمة الله عليك أيها الشيخ العظيم ونور الله قبرك بنور الشهداء والصالحين، وجعل مصيرك معهم، وحسُن أولئك رفيقاً.
3- الشيخ عبد الوهاب بن سعود العزيري:
هذا الشيخ الجليل ربىّ أجيالاً عديدة من أبناء "الرفعة الشمالية" على وجه الخصوص. فهو يعتبر أباً روحياً لنا جميعاً. فكانت له سمعة علمية على مستوى المنطقة، رغم شحوبها العلمي. وكان رحمه الله قوي العزيمة صلب الموقف، لا تأخذه في الله لومة لائم. وقاد إمامة مسجد "الفريج" لسنوات طويلة، وكان خلالها مثالاً للتواضع، وكان لا يكل ولا يملّ من خدمة أبناء المجتمع. وإذا هناك من يوصف بأنه مصلح اجتماعي، فهو فضيلة المرحوم الشيخ عبد الوهاب بن سعود العزيري رحمه الله تعالى.
س/ حدثنا عن أبرز الشخصيات العلمية في أسرة سادة الحاجي.
ج/هذه الأسرة لها تاريخ طويل حملته معها خلال رحلتها من المدينة المنورة إلى بلد الخير الأحساء. وكان من أبنائها علماء، لكنني على غير دراية بهم. وقد عاصرت ثلاثة منهم، وحسبما أعتقد أنهم ترجم لهم من قبل بعض الباحثين من أمثال السيد هاشم الشخص، والشيخ جواد الرمضان. وهؤلاء الثلاثة هم السيد عبد الله ابن السيد أحمد ابن السيد حسن الحاجي (أبو السيد حافظ). وقد درس في مدينة المبرز، ولمع في الفقه واللغة العربية، و الأصول، وقضى حياته في خدمة أبناء أسرته، وأهل قريته لفترة من الزمن، ثم انتقل ليعيش في الهفوف ويكون إماماً لمسجد الفاضلية المعروف واشتهر بالكرم والتواضع والحياء، وكان محط احترامهم وتقديرهم، ولا يزالون يذكرون صفاته الحميدة. وفي آخر حياته مرض، ونقل إلى الكويت للعلاج، لكنه توفي هناك ونقل منها إلى النجف ليحظى بتشييع ضخم من قبل العلماء وأهل الأحساء والقطيف المتواجدين هناك، ثم يدفن في مقابر الغري المقدسة.
والرجل الثاني: هو السيد ناصر بن السيد حسن الحاجي. وكان خطيباً بارعاً، واكتسب شهرة كبيرة بالذات في القرى الشرقية. وهو شخصية عصامية جداً. كوّن مكتبة لا بأس بها. وكان مجلسه في قرية التويثير محط الخطباء والعلماء والزوار من كل الأنحاء، وكان كريماً جداً حتى أنه كان يصرف كل ما يحصل عليه من أموال على إكرام الضيوف. وكان أيضاً جريئاً ومقداماً لا يهاب أحداً. وقد مات بمرض السرطان، ولم يصل الستين من العمر، وخلف ذكراً حسناً إلى حد الآن.
والرجل الثالث: هو السيد شرف آل عبد النبي. وهو أحد خطباء المنبر الحسيني المعروفين، وقد عمّر طويلاً، وكان بنفس الوقت كاتباً جيد الخط، حيث كان يكتب الوصايا، ووثائق الصلح بين الناس، وكان أبناء الأسرة يعتمدون عليه في كثير من شؤونهم الخاصة والعامة، وهو أقرب إلى السادة آل الشخص في قرية القارة، كما أنه قريب من السادة آل الغافلي كذلك ،وكان يحاول كتابة الشعر لبعض المناسبات، ونقل بعد موته إلى المدينة المنورة، ودفن في البقيع إلى جوار أجداده.


 0  0  3773