• ×

05:16 مساءً , الأحد 15 ديسمبر 2019

نسب آل عصفور..

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
بعد أن أوردنا مقدمة كتاب آل عصفور .. أسرة حكمت الخليج 150عاما، نضع هنا نسب آل عصفور وهو الباب الثاني في الكتاب

لايوجد أي اختلاف بين جميع المؤرخين في أن آل عصفور هم من عقيل من بني عامر, إلا أن الاختلاف الرئيسي هو في هوية بني عامر هؤلاء, هل هم " بنو عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان"؟ وهو القول السائد, أم أنهم "بنو عامر أو عمرو من عبدالقيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان"؟ وهو قول الأستاذ الجاسر ومن سار على نهجه. لذلك سوف نستعرض بعض النصوص والآراء ذات العلاقة, مع إضافة ما ارتأيناه مناسباً من تعليقات على تلك النصوص وذلك لنخرج في النهاية بصورة واضحة نصل بها إلى الحقيقة أو النقطة الأقرب للحقيقة.

مبدئياً ليس لدينا أدنى شك في أن قبيلة عُـقيل المذكورة في النصوص التاريخية عن إقليم البحرين والذين ينحدر منهم آل عصفور أصحاب الإمارة, هم أنفسهم عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة وهو ما يراه أغلب من كتب في هذا المجال كالحميدان في بحثه الآنف الذكر, والظاهري في كتابه "أنساب الأسر الحاكمة في الأحساء" وهو أول من فند آراء الجاسر ورد عليها مستعيناً بشرح ديوان ابن المقرب, والوهَـبي صاحب كتاب "بنو خالد" وهو ايضاً فند جميع الآراء المخالفة ورد عليها بمنهج علمي, كذلك الملا في "تاريخ هجر", والعبدالقادر في "تحفة المستفيد", وغيرهم ممن لايتسع المجال لذكرهم, وفي مقال سابق لنا عن آل عصفور كنا قد أضفنا تسلسل النسب المحفوظ لدى أسرة آل عصفور العلمية في مملكة البحرين والمتصل نسبها بآل عصفور أصحاب الإمارة كما سيأتي, كذلك تَـوافق مؤخراً هذا القول مع ما جاء به محققو طبعة بيروت لشرح ديوان ابن المقرب, والذين قاموا بالاجتهاد في رسم مشجّـر يوضح التسلسل النسبي لآل عصفور معتمدين على العديد من المصادر لاسيما الديوان نفسه, وسوف نتطرق لاحقاً لبعض هذه الكتابات.

ونبدأ بأهم النصوص التاريخية التي توضح نسب بني عقيل العامريين, فقد نقل ابن خلدون عن ابن سعيد قائلاً: [ومن بني عقيل بن كعب, خفاجة بن عمرو بن عقيل، وانتقلوا في قرب من هذه العصور إلى العراق والجزيرة، ولهم ببادية العراق دولة. ومن بني عامر بن عقيل بنو عامر بن عوف بن مالك بن عوف، وهم إخوة بني المنتفق وهم ساكنون بجهات البصرة، وقد ملكوا البحرين بعد بني أبي الحسن ملكوها من تغلب. قال ابن سعيد: وملكوا أرض اليمامة من بني كلاب، وكان ملكهم لعهد الخمسين من المائة السابعة عصفور وبنوه، وقد انقضى الكلام في بطون قيس عيلان]. وقال أيضاً: [قال ابن سعيد: سألت أهل البحرين حين لقيتهم بالمدينة النبوية سنة إحدى وخمسين وستمائة عن البحرين فقالوا الملك فيها لبني عامر بن عوف بن عقيل، وبنو ثعلب من جملة رعاياهم، وبنو عصفور منهم أصحاب الأحساء], وعند حديثه عن بني سليم قال: [صاروا حلفاء لأبي الطاهر وبنيه أمراء البحرين من القرامطة مع بني عقيل بن كعب]. ومما سبق نعلم بأن آل عصفور هم من بني عامر بن عوف والذين هم أحد فروع عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة, وشاهِـدنا هو قوله أن منهم "خفاجة" وأنهم إخوة "المنتفق" وقوله أن لهم دولة ببادية العراق ويقصد آل المقلد العقيليين, وجميع هؤلاء لا خلاف حول انتسابهم لعقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصة, كذلك قوله في نهاية النص وقد انقضى الكلام في بطون "قيس عيلان" والذي هو جد عامر بن صعصعة وإليه تنسب القبائل القيسية, كذلك قوله "عقيل بن كعب".
وفي نص آخر لابن خلدون قال: [وقال الجرجاني:إن بني المنتفق كلهم يعرفون بالخلط، ويليهم في جنوب البصرة إخوتهم بنو عامر بن عوف بن مالك بن عوف بن عامر, وعوف أخو المنتفق قد غلبوا على البحرين وغماره وملكوها من يدي أبي الحسين الأصغر بن تغلب. وكانت هذه المواطن للأزد وبني تميم وعبد القيس فورث هؤلاء أرضهم فيها وديارهم. قال ابن سعيد: وملكوا أيضاً أرض اليمامة من بني كلاب وكان ملوكهم فيها لعهد الخمسين والستمائة بني عصفور. وكان من بني عقيل خفاجة بن عمرو بن عقيل، كان انتقالهم إلى العراق فأقاموا به وملكوا ضواحيه، وكانت لهم مقامات وذكر، وهم أصحاب صولة، وكثرة، وهم الآن ما بين دجلة والفرات. ومن عقيل هؤلاء بنو عبادة بن عقيل]. وهنا لابد من الإشارة إلى أن لفظة "الخلط" كانت تعرف في بلاد المغرب وليس في الجزيرة العربية وما جاورها وذلك يتضح لمن يقرأ النصوص الكاملة عند ابن خلدون, أما الديار التي ورثها بنو عامر عن عبدالقيس والأزد وتميم فهي بلا شك مواطن البادية وموارد مياهها وليس المدن والقرى الحضرية لأن أغلب سكان المنطقة الأصليين ينحدرون من هذه القبائل الثلاث بالإضافة إلى بني وائل, أما البوادي بشكل عام وخاصة بادية البحرين فهذا حالها يتحضر أهلها في المدن أو يهاجرون بشكل جماعي فتأتي قبائل أخرى لترث مواطنهم وموارد مياههم, فعلى سبيل المثال كانت "جودة ومتالع" من منازل بني تميم ثم أصبحت لبني عقيل العامرية وهكذا إلى أن أصبحت مؤخراً من أهم منازل قبيلة العجمان, وهناك العديد من هذه الأمثلة.

ولرؤية مساحة أكبر من الصورة نستعرض بعض النصوص الأخرى, حيث قال القلقشندي: [ومن عامر بن صعصعة: عُـقَيل .......... وهم: بنو عُقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. منهم: مجنون بني عامر الشاعر الإسلامي، واسمه قيس بن الملوّح] ثم ذكر نص ابن خلدون عنهم, ومنه: [كان بأعمال البحرين خلق من العرب وكان القرامطة يستجدونهم على أعدائهم ويستعينون بهم في حروبهم وربما يحاربونهم ويقاطعونهم في بعض الأوقات وكان أعظم قبائلهم هنالك بنو ثعلب وبنو عقيل وبنو سليم, وأكثرهم في الكثرة والعزة بنو ثعلب...........ثم غص بنو ثعلب بسليم واستعانوا عليهم ببني عقيل وطردوهم من البحرين, فساروا إلى مصر ومنها كان دخولهم إلى إفريقية] . وقال القلقشندي: [ثم اختلفت بنو عقيل وبنو تغلب بن مرة, فغلبت بنو تغلب على بني عقيل وطردوهم عن البحرين، فساروا إلى العراق وملكوا الكوفة والبلاد الفراتية وتغلّبوا على الموصل، وملكوا تلك البلاد. ومنهم: كان المقلد، وقرواش, وقريش، وابنه مسلم بن قريش المشهور ذكرهم ووقائعهم في كتب التاريخ. وبقيت المملكة بأيديهم حتى غلبهم عليها الملوك السُّلجوقية، فتحولوا عنها إلى البحرين, حيث كانوا أولاً، فوجدوا بنو تغلب قد ضعُف أمرهم, فغلبوهم على البحرين، وصار الأمر بالبحرين لبني عُقيل. قال ابن سعيد: سألت أهل البحرين في سنة إحدى وخمسين وستمائة حين لقيتهم بالمدينة النبوية, عن البحرين، فقالوا: الملك فيها لبني عامر بن عُـقيل، وبنو تغلب من جملة رعاياهم، وبنو عُصفور من بني عقيل, هم أصحاب الأحساء دار ملكهم], وقال القلقشندي عنهم أيضاً: [قال الحمداني: ومنهم: القديمات، والنعائم، وقيان، وفيض، وثعل، وحرثان، وبنو مطرف، وذكر أنهم وفدوا في الأيام الظاهرية- يعني بيبرس البُنْدُقْدَاري- صحبة مقدمهم محمد بن أحمد العقدي بن سنان بن عقيلة بن شبابة بن قديمة بن نباتة ابن عامر، وعوملوا بأتمِّ الإكرام. وأُفيض عليهم سابغ الإنعام، ولحظوا بعين الاعتناء. قال في مسالك الأبصار: وتوالت وفادتهم على الأبواب العالية الناصرية- يعني الناصر محمد بن قلاوون-وأغرقتهم تلك الصدقات بديمها، فاستجلبت النائي منهم. وبرز الأمر السلطاني إلى آل فضل بتسهيل الطرق لوفودهم وقصّـادهم، وتأمينهم في الورد والصدر، فانثالت عليه جماعتهم، وأُخلصت له طاعتهم، وآتته أجلاب الخيل والمهارى، وجاءت في أعنتها وأزمتها تتبارى، فكان لا يزال منهم وفود بعد وفود، وكان نزولهم تحت دار الضيافة يسد فضاء تلك الرحاب ويغص بقبائه تلك الهضاب. بخيام مشدودة بخيام، ورجال بين قعود وقيام. قال: وكانت الإمرة فيهم في أولاد مانع إلى بقية أمرائهم وكبرائهم. ثم قال: ودارهم الأحساء، والقطيف، وملح، وأنطاع، والقرعاء، واللهابة، والجودة، ومتالع. ومن بني عقيل أيضاً: بنو المنتفق ويقال: بَلّمُنتفق، بفتح الباء الموحدة، وسكون اللام. وهم: بنو المنتفق بن عامر بن عقيل. قال ابن سعيد: ومنازلهم الآجام والقصب التي بين البصرة والكوفة من العراق. قال: والإمارة فيهم في بني مَعروف. قلت: وقد ذكر في "التعريف" عرب عقيل وبطونها من عامر والمنتفق وغيرهما معبَّراً عنهما بعرب البحرين، فقال: وأما عرب البحرين فهم قوم يصلون إلى باب السلطان وصول التجار، يجلبون جياد الخيل وكرام المهارى واللؤلؤ، وأمتعة من أمتعة العراق والهند، ويرجعون بأنواع الحِباء والإنعام والقُماش والسكر وغير ذلك, ويكتب لهم بالمسامحة فيردون ويصدرون. ثم قال: وبلادهم بلاد زرع وبر وبحر، ولهم متاجر مربحة، وواصلهم إلى الهند لا ينقطع، وبلادهم ما بين العراق والحجاز، ولهم قصور مبنية وآطام عالية وريف غير متسع، إلى ما لهم من النعم والماشية والحاشية والغاشية، وإنما الكلمة قد صارت شتى لأناس مجتمعة] إنتهى كلام القلقشندي.

وهنا لابد من الالتفات لبعض التضارب في النصوص السابقة بين كلمتي "بنوتغلب" و"بنوثعلب", فأما الأولى فهي التي ضللت بعض المؤرخين كالعبد القادر ومن تبعه حيث أخذوها كإثبات لنسب العيونيين على أنهم من بني تغلب بن وائل, والحقيقة نرى أن كلمة "تغلب" هي تصحيف أو تحريف لكلمة "ثعلب" الواردة بوضوح في أغلب المواضع عند ابن خلدون الذي نقل عنه القلقشندي, أما عبارة "وغلبوا عليها تغلب" الواردة عند ابن خلدون مرة واحدة فقط, فهذه أيضاً قد تكون تحريف, كما أن هناك من يحتمل أن تكون "تغلب" هنا عند ابن خلدون هي بتشديد اللام مع ضمها ليصبح المقصود هو التغلّـب, "غلبوا عليها تغلُّـب" أي أخذوها بالقوة, وهو احتمال وارد. لكن بقي التساؤل عن بني ثعلب هؤلاء؟ والحقيقة لا أرى أمامنا حسب المصادر المتوفرة سوى القول بأن المقصود ببني ثعلب هنا هم قوم العيونيين, وإن كان ما يضعّـف هذا القول هو عدم ورود هذا الإسم على الإطلاق في مصادر أخرى خاصة ديوان إبن المقرب العيوني الذي أكثر من التفاخر بقبيلته وعائلته وأجداده دون ذكره لاسم "ثعلب", لكن عبارة "ملكوها من يدي أبي الحسين" تشير إلى الحاكم العيوني محمد بن أبي الحسين حيث يُـعتبر أشهر حكام العيونيين, ففي عهده امتد نفوذ الدولة العيونية إلى نجد وبادية الشام وجعل له الخليفة العباسي خفارة الحجاج حتى وصولهم إلى مكة كما طلب منه النجدة في صد هجوم طيء آنذاك على بني عامر في بادية العراق وحدوث تلك الحرب الشهيرة التي كُسرت فيها طيء, وحيث أن أغلب هؤلاء المؤرخين ليسوا من هذه المنطقة بل هي بالنسبة لهم تعتبر منطقة نائية فمن الطبيعي أن يأخذوا بالشهرة والسماع وليس بالتفاصيل وهذا برأينا سبب الخلط في بعض المعلومات مثل ذكر الأصفر في هذه المواقع رغم أن أحداث الأصفر كانت في نهاية حكم القرامطة (ذُكر أحياناً بالأصغر تحريفاً -حسب مانعتقد-), لذلك نرى أن المقصود بأبي الحسين هو محمد بن أبي الحسين وإن كان هو ليس بآخر حكام العيونيين, لكن لكونه أشهر حكامهم ولكون نهايته كانت بقتله على يد راشد بن عميرة جد آل عصفور ورئيس بني عامر آنذاك (والقصة مذكورة في شرح ديوان ابن المقرب), بل أن في النص المنقول عن ابن سعيد كانت العبارة "ملكوا البحرين بعد بني أبي الحسن" واذا كان على الأرجح أبي الحسن هنا تحريف لأبي الحسين فيكون المعنى أوضح من سابقه, حيث تمت نسبة باقي الحكام العيونيين إلى أبي الحسين نظراً لشهرة الاسم كما أسلفنا, خاصة إذا علمنا أن آخر حكام العيونيين والذي لم يكن يحكم سوى جزيرة أوال فقط, هو محمد بن محمد بن أبي الحسين (حسب ما أثبت أصحاب طبعة بيروت لشرح ديوان ابن المقرب).
هذا مع ملاحظة أن القلقشندي في أحد النصوص السابقة وأثناء حديثه عن بني ثعلب هؤلاء, أضاف كلمة "بن مرة" والحقيقة أن النص كما يبدو هو منقولاً عن ابن خلدون وفيه "بعد مدة" وليس "بن مرة", فإن كان القلقشندي نقل هذه العبارة بشكل سليم من نسخة لابن خلدون في عصره, فلم تكن محرفة, فبذلك تكون كلمة "مرّة" هنا تعزز القول بأن المقصود ببني ثعلب هم العيونيون أنفسهم وأن ثعلب هو أحد أجداد ابراهيم بن محمد جد العيونيين, وذلك لأنهم من بني مرّة من عبدالقيس كما يتضح من أشعار ابن المقرب. وبالتالي فإذا صح ما ذهبنا إليه نخرج بالخلاصة التي تقول بأن بني ثعلب المذكورين في النصوص السابقة هم فرع من بني مرة من عبدالقيس وينحدر منهم آل ابراهيم المعروفون بالعيونيين, ويبدو لي أن الحميدان قد سبقنا في هذا الرأي حيث أنه ذكر ذلك ضمنياً في سياق حديثه حين قال: [اتحدت عبدالقيس مع بني عامر أحد بطون عقيل ضد بني سليم وأخرجوهم من البحرين], وحيث أن مصادره في ذلك هي نفس هذه المصادر التي نقلنا منها هنا, فهو بلا شك حين ذكر عبدالقيس في هذه العبارة ذكرهم على أن المقصود ببني ثعلب هم القبيلة التي ينحدر منها العيونيون خاصة وأنه في أحد هوامشه وتعليقاً منه على تضارب النصوص بين أبي الحسين أو أبي الحسن أو الأصفر قال: [لا شك أن المقصود بهذا هو الأسرة العيونية التي تنحدر من أحد بطون عبدالقيس]. كما أن ما ذهبنا إليه كان رأي الظاهري أيضاً.

وتجدر الإشارة إلى عبارة "وملكوا أرض اليمامة من بني كلاب" فهذا يؤكد أن إمارة آل عصفور كانت تسيطر على اليمامة, خاصة إذا أضفنا نص آخر عن ابن سعيد يقول فيه: [وسألت عرب البحرين وبعض مذحج لمن اليمامة اليوم؟ فقالوا: لعرب من قيس عيلان، وليس لبني حنيفة بها ذكر].
وأخيراً حول النصوص السابقة تجدر الإشارة إلى الخلل الحاصل في عبارة: "مقدمهم محمد بن أحمد العقدي بن سنان بن عقيلة بن شبابة بن قديمة بن نباتة" فالصحيح هو: " محمد بن أحمد بن المفدى بن سنان بن غـفيلة بن شبانة بن قديمة بن نباتة" حسب تحقيق ديوان ابن المقرب.

وعودة إلى نقطتنا الرئيسية وهي نسب آل عصفور, فإننا من النصوص السابقة فقط نستخلص بوضوح أنهم من بني عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصة. وإذا ما أضفنا غيرها كقول السويدي صاحب السبائك أو بعض ما جاء في شرح ديوان ابن المقرب, لازددنا تأكداً وتيقناً من ذلك, فها هو ابن المقرب حين يمدح أحد الأمراء العيونيين الذي أخواله هم من آل سنان بن غفيلة بن شبانة يقول:
[وخير قيس بن عيلان خؤولته
فمن بغى الفخر فليفخر بمثلهم
قوم أبوهم سنان خير ما حملت
أنثى وما قادها تختال في اللجم]
وفي رثا ء ابن عمه مذكور بن مقرب والذي قتله أحد رجال بني عامر يقول:
[بأسيافهم ذاقوا الردى وتجرعوا
حسا الموت لا أسياف قيس عيلان]
والشاهد في الأبيات السابقة هو اسم قيس عيلان, وقد علق الشارح بأن قيس عيلان هم خصومهم لأنهم أعز البادية. وفي مدحه للأمير محمد بن أبي الحسين وفي إشارته لمطامع بني عامر في الحكم يقول:
[فيا آل كعب لاتخونوا عهوده
فليس براق ذروة المجد خوّان]
ثم يقول:
[تقر به أحياء قيس وخندف
وبئس جزاء القوم غدر وكفران]
وعلق الشارح على هذه الأبيات بأن آل كعب هم قبائل عقيل بن كعب لأنهم من بني كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة, وعن قيس قال هو قيس بن عيلان بن مضر بن نزار . ورغم أن هذا النص الأخير للشارح ورد في الطبعة الهندية للديوان وهي من أقدم الطبعات إلا أن هناك من خالف كل ذلك.


ولكي نكون منصفين ونتناول الموضوع من جميع جوانبه, فلا بد لنا من ذكر الأقوال التي تخالف ما ذهبنا إليه وذلك مع مناقشتها والتعليق عليها.
قال الجاسر عن المنطقة الشرقية: [وقد تكرر اسم بني عامر بين سكان هذه البلاد وهم في الأصل من بني عبدالقيس غير أن انضواء بطون من بني عامر ابن صعصة إلى هذه النواحي واتفاق اسم القبيلتين سبب اختلاطهما], وذكر في الهامش إشارة لعامر عبدالقيس أنهم يُـعرفون باسم العمور ثم العماير الآن. وخلال تعريفه بقبيلة بني خالد وفروعها, ذكر أن فرع العماير يُـدعون العمور أيضاً, ثم عرف بهم وقال: [هؤلاء أصلهم من عبدالقيس, وعبدالقيس كانوا المسيطرين على الأحساء إلى حوالي القرن السابع الهجري والعمور من عبدالقيس هم بنو الديل وبنو عجل وبنو محارب هؤلاء بنو عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصا بن عبدالقيس], وعن فرع الجبور قال: [هم بقية حكام الأحساء في القرن الثامن والتاسع وأول العاشر وهم من بني عقيل من عامر وقد ذكر ابن فضل الله -فيما نقل عن الحمداني- أن بني عامر سكان البحرين ليسوا من عامر قيس عيلان, وتكرر ذكرهم في "شرح ديوان ابن المقرب" باسم (عامر ربيعة) فهم على هذا من عامر عبدالقيس], ثم استشهد ببيت من الشعر لأحمد بن مشرف المتوفي عام 1285هـ, وهو:
"ولا تنس جمع الخالدي فإنه
قبائل شتى من عقيل بن عامر"
ثم قال: [الحق أحق بأن يتبع وكنت نشرت مقالاً في "العرب" قلت فيه إن أكثر فروع القبيلة تنسب إلى عامر بن صعصعة توهّـماً مني أن بني عقيل من عامر بن صعصعة القبيلة المعروفة, ولكن اتضح لي فيما بعد أن عقيلاً هؤلاء من عامر ربيعة ابن نزار لا عقيل بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن من قيس عيلان من مضر بن نزار], علماً أنه علق في الهامش على ابن لعبون -مؤرخ نجدي- قائلاً: [على أن ابن لعبون ذكر في تاريخه أن العمور ينتمون إلى عميرة بن سنان بن غفيلة بن عقيل بالبحرين, وما أراه مصيباً]. أما في تقديمه لكتاب "أنساب الأسر الحاكمة في الأحساء" للظاهري وتعقيباً عليه حول نسب آل عصفور, فقد أسهب الجاسر في إثبات وجود وانتشار بني عامر وعمرو من عبدالقيس في البحرين حاضرتها وباديتها مستشهداً بالعديد من النصوص إلى أن قال: [وفي العصور الأخيرة تحول اسم "العمور" إلى "العماير" وبقي معروفاً إلى عهدنا يطلق على أحد فروع قبيلة بني خالد التي خلفت بني عامر في بلادها الستار (وادي المياه) وما حوله فأصبح يطلق على تلك البلاد نقرة بني خالد].
كذلك الأستاذ المسلِـم جعل العماير وبني خالد قبيلتين منفصلتين تنحدران من بني عامر من عبدالقيس, وهكذا في كتابات لاحقة له وبالرغم من قوله أن النسابين اختلفوا في أصل هذه القبيلة وتعديده لتلك الاختلافات, إلا أنه ختم بقوله: [ومن المرجح أن هذه القبيلة التي كانت في أصلها من بوادي المنطقة المنحدرة من بني عبدالقيس].

أما الأستاذ الحقيل وعند حديثه عن بني خالد قال: [العمور وهم من بني (عبدالقيس الوائليين) ودخلوا أخيراً في بني خالد], ثم تحدث عن أحد المصادر التي ذكرت بأن بني خالد هم من بني مخزوم القرشي, وبعدها قال: [وهذا يعطي أن بني خالد مضريون سواء مخزوم أو ابن عقيل بن عامر العدناني. أي من عامر عبدالقيس ربيعة, عامر ربيعة لا عامر صعصعة].

وقبل البدء في مناقشة تلك الأقوال لابد لنا من التنبيه إلى أننا لسنا هنا بصدد مناقشة نسب قبيلة بني خالد رغم ما نلاحظه على أستاذنا الجاسر في نسب هذه القبيلة. فالحديث عن نسب بني خالد ليس هذا موضعه وقد كُـتبت العديد من الكتابات حول ذلك إلا أنه لابد من التطرق للأقوال المتداخلة مع موضوعنا هذا.

ونبدأ بأقوال الأستاذ الجاسر, فأولاً بالنسبة لكلامه حول اختلاط بني عامر العبقسية ببني عامر الهوازنية بسبب وحدة الإسم والمكان, فهذا بالفعل أمر وارد الحدوث وهو حادث أصلاً مع الكثير من القبائل العربية القديمة والحديثة. بل إن الأحسائيين خاصة أهل أماكن الكثافة لبني عقيل (الهفوف والمبرز) قد حافظوا على انتخاءهم ببعضهم بعبارة "اولاد عامر" وذلك عند انتقالهم كجماعات وعشائر إلى العراق أو إيران, فعبارة "اولاد عامر" في العراق مثلاً تعني على الفور "الحساوية", وحين ذكرهم العزاوي قال: [عشيرة الحساوية نخوتهم "اولاد عامر" وهم من الأحساء وعملهم في الغراس], مع ملاحظة أنه ذكرهم من أحلاف بني مالك المنتفق وهي في أساسها قبيلة عقيلية عامرية , كذلك عمر كحالة الذي كان ينقل عن الطاهر, فعند حديثه عن المحيسن في العراق قال:[كانت فرعاً من عشيرة كعب, حين كانت الضفة اليسرى من شط العرب من نهر عمر إلى المحمرة وحتى البحرين جنوباً, مأهولة من قبل عشائر كعب, وكان يشتغل أفرادها بالزراعة -أي المحيسن-], ثم عدد أفخاذها وذكر من ضمنهم الحساوية, ونلاحظ هنا أيضاً أنها من ضمن قبيلة في مجملها عامرية هوازنية ألا وهي كعب. أما العامري فذكر الحساوية كعشيرة مستقلة في العراق وسماها "الحسائية" وذكر أن نخوتهم "عامر" وقال أن أصولهم تعود للأحساء من تجمع لعدة عشائر ثم عدد بعض تلك العشائر, وذكر أن منهم مجاميع عربية مهاجرة من القطيف والحجاز والجزيرة العربية (ولعله يقصد نجد), وفي موقع آخر ذكرهم باسم "عشيرة أولاد عامر" وقال يطلق عليهم الأحسائية نسبة للأحساء وأنهم في البصرة يطلق عليهم "أولاد عامر" ونخوتهم "عامر", وأن هذه العشيرة هي من سلالة عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة (ويوجد لديه خطأ هنا في سلسلة النسب والصحيح: عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة), وقال أن سلالة عقيل تفرقت ما بين الأحساء وجنوب العراق ومحافظة نينوى والأحواز, لكن يبدو أن الأمر اختلط عليه في آل عصفور حيث قال أن عصفور هو أخ لعقيل حسب أحد المصادر -ولانعلم أي مصدر يعني-, ثم قال أن سلالة عصفور قطنت البحرين والجزيرة العربية. وقد ذكر الروضان نفس كلام العامري تقريباً عن تسميتهم بالحسائية وأن نخوتهم "عامر" وأنهم تجمع من عدة عشائر وقدموا من الأحساء ثم ذكر بعضها. أما في المناطق العربية بإيران أو ماكان يعرف بـ عربستان, فقد ذكر المانع أن الحساوية هم من عدة قبائل وأنهم في فترة متأخرة عن أقرانهم في العراق قاموا بتأسيس حلف قبلي لهم هو قبيلة أولاد عامر. بل حتى في أفريقيا ونظراً للتبادل التجاري بين الخليج وشرق افريقيا في الماضي والهجرات السكانية بين هاتين المنطقتين والتي من تمخضاتها تأسيس مدينة مقديشو على يد ستة من الأحسائيين حسب أحد المصادر, فإن قبيلة بني عامر البجاوية في السودان ما زالت تعرف بالحاساوية "الحساوية" رغم أن حلولها هناك كان في مناطق لا تتحدث العربية فتأثرت لغتهم على مر السنين وتعرف هناك باللغة التيجيرية أو البني عامرية, وعن هذا يقول ضرار صالح: [أن بني عامر شرق السودان ينسبون إلى الأحساء فيقال لهم بني عامري كما يقال للواحد منهم حاساوي.....ويخيل للمرء أن قبيلة بني عامر البجاوية إنما أخد من بني عامر بن صعصعة أصحاب الأحساء في وقت غير معروف, وأن جماعات من هذه القبيلة كانت تتوافد على مرافئ الساحل الشرقي للسودان مثل بصوع أو باضع والعقيق أو عدولية وسواكن وغيرها].
ومن تتبعنا لفروع عشيرة الحساوية أو أولاد عامر في العراق لاحظنا أن أغلبهم من الهفوف والمبرز وأن بها فروع ليست عقيلية أصلاً, لكن كلمة "عامر" برأينا كانت تجمع تلك الفروع بسبب غلبة العامريين عليها, وإن كان اسم "عامر" يخص العامريين العقيليين في الأحساء أكثر من غيرهم إلا أننا نرى بأنها كانت نخوة محببة جمعت كثيراً من الاحسائيين لأنها مشتركة بين بني عامر العقيليين وبني عامر العبقسيين, فقد ذكر ابن المقرب هذه النخوة لبني عامر من عبدالقيس حين كان يصف أهل القلعة بالقطيف فقال:
[لكيزية أنسابها عامرية
يكود المناوي ضيمها واغتصابها
إذا ثوّب الداعي بها يآل عامر
أتت مثل الغاب غلب رقابها]
ولكيزية, أي نسبةً للكيز بن أفصى بن عبدالقيس الذي منه بنو عامر ابن الحارث بن أنمار بن عمرو "جد العمور" بن وديعة بن لُـكَـيْز, وهم الذين قصدهم الجاسر.
إذن مسألة إختلاط قبيلتين لتشابه الأسماء هو أمر وارد لكن رغم ذلك لابد من الإشارة إلى أن إختلاط هاتين القبيلتين لايعني لنا شيئاً هنا في مقولة أستاذنا الجاسر لأنه يجزم بنسب القبيلة لعبدالقيس وعدم علاقتها بعامر صعصعة, ما لم يكن يقصد إختلاط القبيلتين عند النسابين وليس على أرض الواقع وهذا فعلاً ما نراه حاصلاً. أما جزمه بالقول إن إسم "العمور" تحول إلى "العماير" وبقي معروفاً إلى عهدنا, فهو لم يوضح لنا على ماذا استند في هذا الجزم الذي ذكره وكأنه من المسلمات كما أنه لم يفسر لنا سبب التحول إلى اسم العماير وما هو منشأه, بينما لا يرى ابن لعبون مصيباً في قوله, رغم أن ابن لعبون على الأقل أوضح لنا سبب التسمية بذكره لشخصية معينة نسبت إليها العماير, كما أن الجاسر لم يكن دقيقاً في نقل قول ابن لعبون حيث قال بأن ابن لعبون ذكر أن "العمور ينتمون إلى عميرة" بينما نلاحظ أن ابن لعبون قال: [ومن أولاد عقيلة بن شبانه, عميرة جد العماير وهو أبو راشد شيخ عقيل] أي أنه لم يذكر العمور إطلاقاً بل حديثه عن العماير وحسب, لكن ربما لأن الجاسر سلّم سلفاً بأن اسم العمور تحول إلى العماير فإنه قام بالنقل على هذا النحو. بل حتى قوله بأن العماير في بني خالد هم أنفسهم العمور فيهم, فإن ذلك فيه نظر, فقد فصَلهم الوهبي في كتابه عن بني خالد وتحدث عنهما كفرعين منفصلين وعند الحديث عن العمور ذكر القول السابق للجاسر وعلق عليه قائلاً: [غير ان ابن بسام أورده فرعاً مستقلاً في بني خالد بعد أن ذكر العماير أما صاحب اللمع فمع أنه أورد العماير ولم يشر إلى العمور إلا أنه ذكر أن هناك ثلاث فروع أخرى لم يسمّها, ويتطابق عدد مقاتلي كل فرع من هذه الفروع مع تعداد ابن بسام لمقاتلي العمور].
أما إشارته إلى الستار (وادي المياه) وأنه سُـمي فيما بعد بنقرة بني خالد, فلعله من هذه الإشارة يريد زيادة الترجيح لنسبة بني خالد إلى عبدالقيس وبالتالي نسبة بني عقيل لعبدالقيس مستشهداً بوحدة المنازل, فإن كان فعلاً هذا هو المقصد من هذه الإشارة, فلا نراها في محلها, حيث من المعروف أن منازل العرب خاصة في البوادي تتعاقب عليها العديد من القبائل إما إجلاءً بالحرب وإما بالنـزوح الاختياري وكنا قد ضربنا مثالاً على ذلك, وغيره العديد من الأمثلة فمنطقة "صلاصل" مثلاً بل وكامل جوف البحرين هو اليوم من منازل قبيلة بني هاجر وفيها مؤخراً توطنوا وتحضروا رغم أن الجوف وصلاصل بالذات كانت لعبدالقيس ولهم قصة احتكام حولها عند الخليفة عمر ابن الخطاب , فهل هذا يعني أن بني هاجر اليوم هم من عبدالقيس؟ لمجرد أنهم نزلوا في منازل عُرفت لتلك القبيلة قبل حوالي ألف وأربعمائة عام!؟ كما أن بني عامر من عقيل من عامر بن صعصة (كما أثبتت النصوص التاريخية السابقة) سيطرت على كامل بادية البحرين بل انهم عرفوا بعرب البحرين (أي بدو البحرين) وبالتالي تنتفي أي دعوى بهذا الاستشهاد.

أما المسلم فلم يوضح لنا سبب ترجيحه لانتماء بني خالد إلى عبدالقيس بالرغم من تعديده للأقوال المخالفة. وليس المسلم هو الوحيد من كتاب المنطقة الذي تبنى هذا الرأي فغيره العديد من المتأخرين مثل الشرفاء أو العبيّـد أو الشريفي من الكويت . ونرى أن كل هذه الأقوال هي تأثرٌ بالكتابات السابقة للجاسر أو المسلم, بل إن هناك من اختلط عليه الأمر فقال: [ومعلوم أن بني عصفور يرجع نسبهم إلى بني عقيل بن عامر بن صعصة بن هوازن العدنانيين من بني عبدالقيس]!!.

أما الحقيل فيبدو أيضاً أنه تبع الجاسر رغم عدم إشارته إليه, إلا أننا لاندري كيف جعل عبدالقيس وائليين!؟ كما لاندري كيف جعل بني خالد مضريين في جميع الأحوال رغم أنه نسبهم في أحد الحالات إلى عبدالقيس الربيعية!؟.

والحقيقة نرى أن الجاسر -رحمه الله- أستشكل في عبارة "عامر ربيعة" التي تكررت في ديوان ابن المقرب مع وجود مقولة للحمداني أوردها القلقشندي عند ذكره لآل عامر في البحرين فقال: [والذي ذكره الحمداني: إنهم غير عامر المنتفق وغير عامر بن صعصعة، وعدد بطونهم فقال ومنهم بنو عقيل والقديمات والنعائم وقنات وقيس وفضيل وحرثان وبنو مطرق.........وأن آل عامر هؤلاء وفدوا على السلطان بالديار المصرية في دولة الظاهر بيبرس.....إلخ] , ونرى أن ما تم فهمه من قِـبل الجاسر, هو أن مع وجود عامر ربيعة وأنهم ليسوا من المنتفق أو عامر بن صعصعة فلابد أنهم من قبيلة أخرى, وبالتالي فلا بد أنهم من بني عامر من عبدالقيس الربيعية لأنهم أصحاب الكثرة والنفوذ في هذه الديار, وهذا واضح في قول الجاسر السابق: [وقد ذكر ابن فضل الله -فيما نقل عن الحمداني- أن بني عامر سكان البحرين ليسوا من عامر قيس عيلان, وتكرر ذكرهم في شرح ديوان ابن المقرب باسم (عامر ربيعة) فهم على هذا من عامر عبدالقيس]. ونفس هذه النقطة أشار إليها أيضاً في معجمه الجغرافي للمنطقة .

ونلاحظ أن هذه المقولة للحمداني مبهمة, حيث نفى انتسابهم لهذا وذاك دون أن يوضح لنا من أي عامر هم؟ كما نلاحظ أن في هذه المقولة شيء من التخبط حيث أن عامر المنتفق هم أصلاً من عامر بن صعصعة كما هو معروف بل وكما نُـقل عن الحمداني نفسه, ولا بأس هنا أن نفصّل قليلاً في هذه النقطة حيث أنني أعرض على القارئ الكريم في هذا البحث رأيين حول هذه العبارة للحمداني:

الرأي الأول: هو أن يكون الحمداني مخطئ ومتوهم في هذه المسألة بالذات وهذا ما ارتآه القلقشندي بنفسه وهو الذي نقل لنا هذه المقولة للحمداني, فعندما ذكر القول السابق لابن سعيد عن آل عصفور قال بعده حرفياً: [ولا عبرة بقول الحمداني أنهم غير عامر ابن صعصعة، وعامر المنتفق، بل هم من عامر بن صعصعة] , وأيضاً في موقع آخر قال: [على أن الحمداني قد وهِم فقال: وهُم غير عامر المنتفق، وعامر بن صعصعة، وتبعه على ذلك في مسالك الأبصار] . إذن القلقشندي بنفسه وفي كتابين مختلفين لم يأخذ بقول الحمداني واعتبره واهم في هذه المسألة وذكر أن مسالك الأبصار تبعه على ذلك ويقصد ابن فضل الله العمري, وهنا نقول بأنه إن كان الحمداني يعني فعلاً ما فهمه القلقشندي والجاسر فهو بالفعل واهم بسبب ماذكرناه سابقاً عن نسب آل عصفور ولسبب آخر بسيط يكمن في نص ابن سعيد السابق, حيث يتضح لنا أن ابن سعيد لقي قوماً من أهل البحرين في المدينة المنورة وتحدث معهم وأخذ أخبارهم, ومع أن الحمداني كان يشغل منصب "المهمندار" الذي يشرف على ضيافة وفود القبائل في الدولة المملوكية والذي أفادنا بمعلومات قيمة عن بعض القبائل آنذاك إلا أنه وفي هذه المسألة يُـرجَّـح قول ابن سعيد على قوله , بل ان القلقشندي تعدى مسألة الترجيح إلى الجزم وهذا واضح في قوله "بل هم من عامر بن صعصة" فقد يكون اعتمد على مصدر إضافي توفر لديه في ذلك العصر الذي سبقنا بمئات السنين.

الرأي الثاني: هو أنّ الحمداني لم يرد ما فهمه القلقشندي من كلامه هذا, من أنه ينفي نسبهم لعامر بن صعصعة، وإنما الذي أراده الحمداني أنهم ليسو بني عامر بن صعصعة القبيلة المعروفة نفسها مباشرةً, على اعتبار أنّ هناك من يُنسب إليها مباشرة في عصره، بل أراد أن يوضّح أنّ عامر البحرين هي قبيلة من عامر بن صعصعة، وأنهم يُقال لهم بنو عامر أيضاً على اسم القبيلة الأمّ، وبالتالي فإنّ المنسوب إليهم يُقال له عامري أيضاً، ولكن ليس نسبةً إلى عامر بن صعصعة، وإنما نسبة لهذه القبيلة منها وهي عامر بن عوف العُقيلية، ولأنّ من أشهر قبائل عامر بن صعصعة ممن اسمها عامر أيضاً هم عامر المنتفق، ولأنّ الحمداني خشي أن يذهب ظنّ القارئ الذي يقرأ كلامه هذا إلى أنهم هم المرادين بعامر الذين ذكرهم، فقد بادر إلى نفي ذلك بقوله أنهم غير عامر المنتفق أيضاً لأنه لا يمكن اتهام عالماً كبيراً بالنسب مثل الحمداني بأنه يجهل أنّ عامر المنتفق هم من عامر بن صعصعة وهو هو تضلعاً وعلماً بقبائل العرب حتى صار عمدةً في أنسابها.

وأخيراً نقول عن هذه النظرية التي اتبعها الأستاذ الجاسر والمعتمدة على عبارة "عامر ربيعة", ان ما جاء في شرح ديوان ابن المقرب يثبت عدم صحتها لأن هناك نص صريح عن عامر ربيعة جاء تعليقاً على بيت الشعر القائل:
[ فاستنجدت عامراً من بأسها فأتت
مغدة لاترى في سيرها يتما]
فقال الشارح: [وعامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة] وهذا النص بالإضافة لحديث الشارح عن قتل عامر ربيعة وبوارهم في أوائل عهد الدولة العيونية جعل محققي الديوان يستنتجون بان عامر ربيعة المذكورين عدة مرات بهذا الإسم الثـنائي إنما هو لتمييزهم عن عامر عقيل وهو ما نص عليه المحققون وأوضحوه في المشجرات المرفقة بالديوان . وهذا كله يزيل الغموض حول تكرار كلمة عامر ربيعة وفي نفس الوقت لا يخرجنا عن الإطار الذي نتحدث بداخله, فعامر ربيعة أو عامر عقيل المذكورة أحداثهما في إقليم البحرين كليهما من عامر بن صعصعة.

وقبل إنهاء حديثنا ونقاشنا للأقوال المخالفة لنسبة آل عصفور لبني عامر بن صعصة فلا بد لنا من التطرق لكتابات الأخ الأستاذ سعود الخالدي فهو في عدة مقالات له عن قبيلة بني خالد كان يسهب في تأكيد انتسابها للصحابي خالد ابن الوليد المخزومي القرشي, وقد كان يربط على الدوام بين آل عصفور وبني خالد وكان ينقل العديد من النصوص التي ذكرت آل عصفور كالتي ذكرناها سابقاً, خاصة ما ورد عن حكمهم للبحرين وعن انتسابهم لجدهم عميرة وارتباطهم بعماير بني خالد....إلخ , وعن هذا نكرر أننا لسنا هنا بصدد مناقشة نسب قبيلة بني خالد بل قد يكون فعلاً لبعض أو أحد فروعها كالعماير نسب يجمعهم مع آل عصفور كما يقول الأستاذ سعود أو كما مر علينا في قول ابن لعبون, أو كما رأى ذلك أيضاً محققوا ديوان ابن المقرب . إذن نحن لاننكر وجود علاقة قد تكون بين بعض فروع بني خالد وبين آل عصفور بل قد نميل لهذا القول, إلا أننا وبعد كل ما ذكرناه وأثبتناه سابقاً لم نعد نرى أي مجال للتشكيك في نسبة آل عصفور إلى عامر بن صعصعة.

 0  0  5770