• ×

09:03 صباحًا , الجمعة 5 يونيو 2020

الصوم رقيٌ نحو درجات الكمال

الصوم رقيٌ نحو درجات الكمال

الشيخ حسين العايش

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 الصوم رقيٌ نحو درجات الكمال :

الشيخ حسين العايش

قال الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾(البقرة:183). صدق الله العلي العظيم.

النتائج المترتبة على الصوم.

الصوم له حكم ومصالح متعددة، أهمها إيصال الصائم إلى تقوى الله تعالى، وقد بينت الروايات بشيء من التفصيل كيف يتاح للصائم أن يستفيد من صومه، ويحقق نتائج باهرة هي :

الأول: الوصول إلى أعلى الدرجات.

جاء عن النبي في حواره مع الصحابي الجليل جابر أنّ الصوم يوصل الإنسان إلى درجات عالية، قال : «يا جابر هذا شهر رمضان من صام نهاره وقام ورداًَ من ليله وعفّ بطنه وفرجه وكفّ لسانه خرج من ذنوبه كخروجه من الشهر».

شروط الوصول للدرجات العالية.

أبان النبي في هذا الحديث بعض الشرائط لمن يريد أن يرتقي درجات:

الأولى: اقتران الصوم بالعبادات الأخرى.

فلا يكتفى بالصوم وحده بل على الصائم أن يقرن الصوم ببعض أعمال البر والطاعة، ومن أهمها القيام بين يدي الله تعالى بالصلاة فيقوم ورداً من الليل.

الثانية: العفاف عن المحرمات.

بأن يعيش العفاف في البطن والفرج، ومعنى الحديث أن لا يأكل الحرام، ولا يمارس الحرام بفرجه، فبعض الصائمين لا يستفيد من صومه باعتبار أنّ طعامه جاء من طرق غير مشروعة فلم يعف بطنه ولم يحصل على المراد كما جاء في الرواية.

الثالثة: السيطرة على الجوارح.

إنّ السيطرة على الجوارح حكمة للصوم، وقد خصّ النبي جارحة اللسان وذلك لأهمية ما يصدر من ألفاظ، فقال : «وكف لسانه».

الثاني: خروج الصائم من ذنوبه.

ثم أبان أنّ من حقق هذه الشرائط أصبح حتماً مقضياً أن يخرج من ذنوبه كما ينقضي الشهر، فخروج الشهر أمر تكويني، إذ الزمان لا يتوقف، ولابد أن ينتهي الشهر، وكذلك من حقق هذه الشرائط فمن الحتم أن يصل إلى درجة من النزاهة والطهارة، تصبح ذاته صفحة بيضاء، لا تؤثر فيها الذنوب والآثام التي اقترفها، بل تكون الطاعات هي الراجحة والمؤثرة.

الثالث: التعود على الالتزام الدائم.

ولقد لفت الحديث انتباه جابر بن عبد الله الأنصاري، فقال يا رسول الله : ما أحسن هذا الحديث، فالحديث حسن وجميل، إلا أنّ النبي نبه جابر إلى أهمية الشروط، فقال: «يا جابر ما أشد هذه الشروط!»، فالشروط وإنْ كانت سهلة لكنها شديدة، وذلك إنّ من حكم الصوم تعويد الصائم على مبدأ الالتزام الدائم والمستمر، وهو ما أبانه إمامنا الصادق فيما ينبغي للصائم أن يصل إليه بصومه، فقال : «إذا أصبحت صائماً فليصم سمعك وبصرك من الحرام، وجارحتك وجميع أعضائك عن القبيح ودع عنك الهذي وأذى الخادم، وليكن عليك وقار الصيام، والزم ما استطعت من الصمت والسكوت إلا عن ذكر الله، ولا تجعل يوم صومك كيوم فطرك، وإياك والمباشرة، والقبل والقهقهة بالضحك، فإن الله مقت ذلك»، والحديث يشير إلى الكلام الذي لا تترتب عليه فائدة، فالله يحب للإنسان أن يتحدث بما يعود عليه بالنفع، وأن يذكر الله تعالى بلسانه، فيقرأ القرآن، لا أن يتكلم بكلام لا فائدة فيه، فذلك ضياع للوقت، مع أنّ كثيراً من الناس يتحدث بما يعود عليه بالضرر، والإمام نهى الصائم عن الكلام الذي لا فائدة فيه، فكيف بالكلام في أعراض الناس بالغيبة والنميمة والكلام البذيء؟!

الرابع: الهيبة والوقار.

ثم قال الإمام الصادق : «وليكن عليك وقار الصيام»، فالصائم له هيبة ووقار، وذلك أنّ الطاعة تنعكس على روحانية العبد السائر في طريق الله تعالى، فمن يصلي صلاة الليل له نور يضيء، ﴿ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ ﴾(النور:40)، كذا الصائم له هيبة ووقار، إلا أنّ ذلك ليس لكل صائم، فالذي لم يلتفت إلى شرائط الصوم، فلن يستفيد من ذلك.

الخامس: التعود على قلة الكلام.

ثم قال : «والزم ما استطعت من الصمت والسكوت»، والرواية تحث على الصمت والسكوت إذا لم يكن الحديث نافعاً، «ولا تجعل يوم صومك كيوم فطرك».

السادس: الصبر عن الشهوات.

ثم بين ما ينبغي للصائم أن يلتفت إليه في قضايا الجنس خصوصاً للمتزوجين الجدد والشباب، فقال : «إياك والمباشرة والقُبَل».

السابع: التقليل من اللهو والضحك.

فقد نهى عن كثرة الضحك والقهقهة، فهناك من يقهق ويضحك كثيراً، ويلهو عن برامج رمضان، فالمزح المباح هو المتعارف، أما الزائد فقد نُهي عنه خصوصاً للصائم لأنّ له هدفاً ويريد أن يصل إلى غاية ولن تتحقق تلك الغاية لمن يلهو كثيراً.

هدف الصوم.

ورد عن النبي : «أنّ الله تعالى قال : من لم تصم جوارحه عن محارمي فلا حاجة لي في أن يدع طعامه وشرابه من أجلي»، فالذي لم يستفد من صومه ويسيطر على جوارحه ـ فلا ينظر إلى الحرام ولا يتكلم بالحرام، ولا يسمع الحرام ـ فإنّ الله تعالى لا يريد من الإنسان أن يُجوَّع نفسه دون حكمة، بل لغاية وهدف، وإلا لكان ذلك نقضاً للغرض وهو قبيح عقلاً، فالصوم رياضة روحانية، يستطيع بها الصائم أن يسيطر على جوارحه.

تحقيق هدف الصوم.

إنّ بعض الصائمين يختبر نفسه، ليرى مدى استفادته من الصوم، فيتحدث ويراقب نفسه، ليعرف الصدق في حديثه، وكم ذكر الله تعالى فيما صدر منه ثم يحمد الله تعالى أنه وصل إلى حالة أفضل مما كان عليه قبل الصوم، إذن الصوم يحقق الرقي المعنوي والسمو الروحاني، وفي الحديث المشهور عن الفريقين أنّ النبي رأى امرأة صائمة تسب جاريتها، فقدم لها الطعام فامتنعت، وقالت يا رسول الله ص إني صائمة، فقال النبي : «كيف تكونين صائمة وقد سببت جاريتك؟!» ، ثم قال : «إنّ الصوم ليس من الطعام والشراب وإنما جعل الله تعالى ذلك حجاباً عن سواهما من الفواحش، من الفعل والقول»، فليس معنى الصوم الامتناع عن المفطرات فحسب، فهناك أفعال وأقوال تفطر الصائم ليس بمعنى أنه يجب عليه قضاء الصوم، بل بمعنى أنه يصبح كالفاطر، لم يحقق الغاية من صومه، فالصوم وسيلة للوصول إلى الغاية والسيطرة على الجوارح والقرب من الله تعالى.

الأمور التي تساعد للوصول إلى الهدف.

هناك أمور هامة أُكِّد عليها في الروايات تساعد الصائم كي يصل إلى هدفه:

الأول: قيام الليل.

إنّ قيام الليل أكّد عليه القرآن في قوله تعالى: ﴿ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾(المزمل:2)، إلاّ أنه أُكّد عليه بنحو أعظم للصائم في شهر رمضان.

الثاني: المواظبة على قراءة الأدعية.

فالأدعية للصائم برامج عمل تجعله يلتفت إلى ما ينبغي عليه أن يحققه بصومه، ولها فوائد وحكم تترتب عليها منها أنّ الصائم يستشعر الجنبة الإنسانية لديه، فيحس بإنسانيته وقد أشارت بعض الأدعية إلى ذلك، «اللهم ادخل على أهل القبور السرور، اللهم اغني كل فقير»، فالدعاء هنا لكل فقير، وليس لفقراء المسلمين فحسب، «اللهم أشبع كل جائع، اللهم اكسُ كل عريان، اللهم اقضِ دين كل مدين»، والدعاء لإشباع كل جائع وكسوة كل عريان وقضاء دين كل مدين وليس للمسلمين الذين يشترك معهم الصائم في العقيدة، بل لكل جائع، ولكل عريان وذلك، لحكمة غاية في الأهمية، وهي أنّ من يدعو لابد أن يخطو خطوة إلى الأمام وإلاّ لم يقم بدوره، إنّ من دعا ولم يدفع صدقة ولم يسهم في مشروع خيري لم يستفد من دعائه.

الاستفادة من الأدعية في التغيير.

الدعاء لوحده لا يكفي فلا بد للداعي لكي يستفيد من الدعاء أن يحقق أموراً:

الأول: العمل بالأسباب.

جاء في الرواية «من دعا الله ولم يعمل- أي لم يقم بما ينبغي - فقد استهزأ بالله»، فلا بد للإنسان أن تستفيد من الوسائل المتاحة في الوصول إلى ما يدعو الله تعالى أن يحققه فقد جاء في رواية أنّ موسى مرض ودعا الله تعالى أن يمن عليّه بالشفاء إلاّ الله تعالى لم يشفه فناجى الله تعالى، وقال له: إلهي لم تشفني وأنا أدعوك! فقال الله تعالى له: لم تذهب إلى الطبيب، فقال موسى : إنه كافر، فقال الله: اذهب للطبيب ثم ادعني استجب دعاءك، أما أنك لو دعوتني ليلاً ونهاراً فلن استجيب لك حتى تذهب إلى الطبيب، إنّ الله تعالى يعلمنا ضرورة الأخذ بالأسباب والاستفادة من الوسائل في الوصول إلى المقصود.

الثاني: المساهمة في تغيير المجتمع.

على الإنسان أن يتعلم من هذه الأدعية العمل الجاد في تغيير المجتمع لئلا تكون الأدعية لقلقة بلسانه، وألفاظاً جوفاء، لا تنعكس على الواقع العملي للداعي، فالدعاء في شهر رمضان المبارك «اللهم اغني كل فقير» يستدعي الإسهام في رفع الفقر والعوز عن الفقراء في القرية والمدينة، حتى ممن لا يتمكن من الإسهام المالي فعليه أن يساعد بأن يكون واسطة خير في إيصال المساعدات إليهم، أو نشر كتاب يتحدث عن مأساة الفقراء، ليسهم إعلامياً، فإنّ الناس إذا اطلعوا على المعلومة الصحيحة شاركوا في الأعمال الخيرة وأصبح الدعاء له أثر يترتب عليه، فبعض من يدعو ويرى أنه لم تتحقق له الإجابة، فهو غير ملتفت إلى أنّ الدعاء لابد أن يقترن بالعمل، والسير إلى الأمام في الجانب العملي أكّد عليه قال تعالى: ﴿ وَالْعَصْرِ*إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ*إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ (العصر:1-3).

* نقلاً عن شبكة راصد
بواسطة : مدير الموقع
 0  0  532