• ×

09:52 صباحًا , الخميس 15 نوفمبر 2018

باريس لا تستغني عن الأحساء

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 باريس لا تستغني عن الأحساء :

عزيزي رئيس التحرير
رغم اننا في الدور الأول تحت الأرض الا ان البرد القارس يتسلل الى طابور قطع التذاكر لمترو الأنفاق وسط العاصمة باريس, فقد كانت الساعة السابعة صباحاً حيث اصطف اكثر من ثلاثين شخصاً على شباكي قطع التذاكر, وقفت معهم في ادب وسكينة, صدقوني, لم احاول ان اتجاوز احداً كعادة بعضنا ولم اطلبهم التنازل لي بحجة انني مستعجل كما يعمل الكثيرون منا «نحن العرب». جاء دوري وانا فخور بأدبي والابتسامة تعلو محياي قبل ان اصطدم باللغة, قضيت وقتاً لا بأس به في الطابور و مثله متنحياً عن الشباك دون الحصول على تذكرة بسبب عدم معرفة بائعة التذاكر للغة الانجليزية, هي لا تعرف ما أقول ولا انا عارف ما تريد, الشيء الوحيد الذي استطعنا معرفته هو لغة الإشارة, فحينما اشرت الى زميلها في الشباك الاخر أدركت (هي) انني اسأل (أنا) هل يعرف (هو) الانجليزية, فهزت رأسها بلا, وما كان لي الا ان اتنحى قليلاً واسأل من يتقدم للشباك من أن يعينني على بلواي هذه, لكن دون جدوى, حيث طاف افراد وطافت معهم الدقائق وما من مجيب, فربطت جأشي ونزعت ثوب الحياء من على وجهي ووقفت فيهم خاطباً بالانجليزية وكأنني جئت من القرون الوسطى قائلاً: سيداتي, آنساتي, سادتي: هل فيكم من يتحدث الانجليزية, اريد ان احصل على تذكرة فقط ومسئولي الشباك لا يعرفون ما اريد لأنهم لا يتحدثون الانجليزية وانا لا اتحدث الفرنسية, ولكن اخي القارئ: « وقد ناديت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي», بالطبع بعضهم لم يفقه حرفاً واحداً لكن البعض الاخر لسان صمته يقول: مت غيظاً فنحن لن نتحدث بغير الفرنيسة.
مساران فيهما اكثر من 30 شخصاً لم ينطق احدهم ببنت شفة, وبينما انا حائرٌ في امري التفتت اليَ فتاة تكسوها ملامح اسيوية صينية, واضح انها كانت في اخر الصف وسمعت نداء الاغاثة فقالت ما تريد, قلت تذكرة الى الحي الفلاني, عملت وسيطاً بيننا وانحلت الازمة.
لتأتي ازمة اخرى اشد من تلك فحين نزلت لقاع الأرض للركوب في المترو سألت احد الموظفين وقد ارتدى الزي الرسمي, ما اذا ركبت هذا المترو هل محطتي المقصودة هي اول محطة ستأتي ام ماذا؟ كنت اتحدث بالانجليزية وكان يخلط بينها وبين الفرنسية, لم افهمه ولم يفهمني, اكتشفت ان لكنته من المغرب العربي الشقيق فقلت له هل انت عربي قال نعم, انت عربي قلت نعم, رحنا نتحدث عربياً لكنني اصدقكم القول لم يفهمني ولم افهمه وسرعان ما انفعل قائلاً كيف تتحدثون انتم في الخليج العربي انتم لا تفهمون العربية, ولحاجتي الماسة له ولأهدهد على اعصابه بعد ان علا صوته للأسف وكأن الدنيا ضاقت بما رحبت, قلت له هون عليك يا اخ العرب نحن في الخليج لا نفهم العربية انتم فقط في المغرب العربي الذين تتحدثون اللغة الصحيحة, ارتسمت عليه ابتسامة اديسون حينما اضاء المصباح, ظناً منه حينما اعترفت له انه المكتشف الأكبر, المهم توصلنا الى صيغة مشتركة فهمنا بعضنا بعدها. ومن هنا اظن جازماً ان الكثيرين لا يقصدون باريس بسبب اللغة ومتاعبها وما يروى عنها من هذه القصص وغيرها باعتزاز أهلها الشديد بلغتهم وعدم التحدث بغيرها الا النزر اليسير.
هذا ما تتصف به باريس لكن انظر ما تتصف به الأحساء هذه الواحة التي حباها الله من النعم والخيرات فلقد قرأت في احدى مطويات الهيئة العامة للسياحة والآثار أن الأحساء «يمتاز أهلها بالأريحية والأخلاق العالية, لا يشعر فيها الغريب بغربته, بل يفضل الإقامة فيها», ولقد اشتهر اهلها حين سؤال قاصدها – سواءً أكان سائحاً او عابراً او طالب حاجة - أنهم لا يكتفون بالتوصيف فقط بل خشية من ضياع وقت السائل وعدم معرفته لوجهته بعد الوصف يستخدمون عبارة « الحقني» اي اتبعني, حتى يكتشف السائل في نهاية المطاف ان هذا المرشد لا يحتاج الى هذه المنطقة ولا يريد مقابل صنيعه شيئاً سوى رضا السائل.
ولذا فإننا نراهن على أن الاحساء لاتمتلك فقط مقومات سياحية طبيعية بل هي الموقع الاكثر امتلاكاً لمرشدين سياحيين متطوعين في العالم, ولذا لتستقطب باريس اكبر قدر من السواح فإنها لا تستغني عن توظيف 1000 أحسائي اريحي للعمل في مواقعها السياحية.
عزيزي القارئ, اردت هنا ان ابعث برسالة ان شعوبنا اصبحت متعلمة ولديها من الاريحية مالا يوجد عند غيرها وما نحتاجه فقط هو الاستثمار والتسويق, اما باريس فستبقى عاصمة راقية جميلة تستحق شد الرحال.

علي بن حجي السلطان

عدد القراءات: 2,767
بواسطة : مدير الموقع
 0  0  326